أحدهما : أنه ظل الجبال .
الثاني : أنه ما فيها من غار أو شرف .
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
يعني ثياب القطن والكتان والصوف .
وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ
يعني الدروع التي تقي البأس ، وهي الحرب .
قال الزجاج : كل ما لبس من قميص ودروع فهو سربال .
فإن قيل : فكيف قال :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً
ولم يذكر السهل وقال
تَقِيكُمُ الْحَرَّ
ولم يذكر البرد ؟
فعن ذلك ثلاثة أجوبة : « 349 »
أحدها : أن القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل ، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد ، فذكر لهم نعمه عليهم مما هو مختص بهم ، قاله عطاء .
الثاني : أنه اكتفى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر ، إذ كان معلوما أن من اتخذ من الجبال أكنانا اتخذ من السهل ، والسرابيل التي تقي الحر تقي البرد ، قاله الفراء ، ومثله قول الشاعر :
وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني
فكنى عن الشر ولم يذكره لأنه مدلول عليه .
الثالث : أنه ذكر الجبال لأنه قدم ذكر السهل بقوله تعالى :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً
وذكر الحرّ دون البرد تحذيرا من حر جهنم وتوقيا لاستحقاقها بالكف عن المعاصي .
كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
أي تؤمنون بالله إذا عرفتم نعمه عليكم . وقرأ ابن عباس « 350 »
لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ
بفتح التاء أي تسلمون من الضرر ، فاحتمل أن يكون عنى ضرر الحر والبرد واحتمل أن يكون ضرر القتال والقتل ، واحتمل أن يريد ضرر العذاب في الآخرة إن اعتبرتم وآمنتم .
قوله عزّ وجل :
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها
فيه خمسة تأويلات :
هامش
( 349 ) هو المثقب العبدي ، الطبري ( 14 / 157 ) والقرطبي ( 10 / 180 ) والمفضليات وبقية البيت :الخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني( 350 ) وهي قراءة سعيد بن جبير وعكرمة وأبي رجاء ، زاد المسير ( 4 / 478 ) .