الذي داخلهم فيه الشّكّ كان بعث الخلق ، فاحتجّ عليهم بما أراهم من إعادة فصول السّنة بعد تقضّيها على الوجه الذي كان في العام الماضي . وبيّن أن جمع أجزاء المكلّفين بعد انقضاض البنية كإعادة فصول السنة ؛ فكما أن ذلك سائغ في قدرته غير مستنكر فكذلك بعث الخلق .
وكما في فصول السنة تتكرر أحوال العبادة في الأحوال العامة المشتركة بين الكافة ، وفي خواص أحوال المؤمنين من استيلاء شهوات النفوس ، ثم زوالها ، إلى موالاة الطاعات ، ثم حصول الفترة ، والعود إلى مثل الحالة الأولى ، ثم بعد ذلك الانتباه بالتوبة . . كذلك تتكرر عليهم الأحوال .
وأرباب القلوب تتعاقب أحوالهم في القبض والبسط ثم في الهيبة والأنس ، ثم في التجلي والسّتر ، ثم في البقاء والفناء ، ثم في السكر « 1 » والصحو . . وأمثال هذا كثير . وفي هذا المعنى قوله :
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 20 ]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 )
وفي معنى تكرير الأحوال ما أنشدوا :
كلّ نهر فيه ماء قد جرى * فإليه الماء يوما سيعود
قوله جل ذكره :
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 21 ]
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ( 21 )
أجناس ما يعذّب به عباده وأنواع ما يرجم به عباده . . لا نهاية لها ولا حصر ؛ فمن ذلك أنه يعذّب من يشاء بالخذلان ، ويرحم من يشاء بالإيمان . يعذّب من يشاء بالجحود والعنود ،
هامش
( 1 ) وردت في ص ( الشك ) وفي م ( السكر ) والصواب هذه لأنها تلاثم السياق . . فالسكر والصحو حالان من أحوال الفناء .