ويقال : ألاح له نارا ثم لوّح له نورا ، ثم بدا ما بدا ، ولا كان المقصود النّار ولا النور وإنما سماع نداء :
« إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
.
قوله جل ذكره :
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 30 ]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 )
الآية أخفى تعيين قدم موسى على الظنون بهذا الخطاب حيث قال :
« مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ »
، ثم قال :
« فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ »
ثم قال
« مِنَ الشَّجَرَةِ »
.
وأخلق بأن تكون تلك البقعة مباركة ، فعندها سمع خطاب مولاه بلا واسطة ؛ وأعزّ الأماكن في العالم مشهد الأحباب :
وإني لأهوى الدار ما يستعزنى * لها الود إلا أنها من دياركا
ويقال : كم قدم وطئت لك البقعة ، ولكن لم يسمع أصحابها بها شيئا ! . وكم ليلة جنّت تلك البقعة ولم يظهر من تلك النار فيها شعلة ! .
ويقال : شتّان بين شجرة وشجرة ؛ شجرة آدم عندها ظهور محنته وفتنته ، وشجرة موسى وعندها افتتاح نبوّته ورسالته ! .
ويقال : لم يأت بالتفصيل نوع تلك الشجرة « 1 » ، ولا يدرى ما الذي كانت تثمره ، بل هي شجرة الوصلة ؛ وثمرتها القربة ، وأصلها في أرض المحبة وفرعها باسق في سماء الصفوة ، وأوراقها الزلفة ، وأزهارها تنفتق عن نسيم الرّوح والبهجة :
فلمّا سمع « 2 » موسى تغيّر عليه الحال ؛ ففي القصة : أنه غشى عليه ، وأرسل اللّه إليه الملائكة ليروّحوه بمراوح الأنس ، وهذا كان في ابتداء الأمر ، والمبتدئ مرفوق به . وفي المرة الأخرى خرّ موسى صعقا ، وكان يفيق والملائكة تقول له : يا ابن الحيض . أمثلك من يسأل الرؤية ؟ !
هامش
( 1 ) قيل هي شجرة العليق وقيل العوسج والعوسج إذا عظم يقال له الغرقد ( القرطبي ) .
( 2 ) معروف أن السماع عند الصوفية يصحبه - وخصوصا لدى المبتدئين - تأثيرات عضوية ونفسية حادة