وتوارث الأنبياء واحدا بعد الآخر تلك العصا ، فلمّا أخرج موسى تلك العصا ، قال شعيب :
ردّها إلى البيت ، واطرحها فيه ، وأخرج عصا أخرى ، ففعل غير مرة ، ولم تحصل كلّ مرة في يده إلا تلك العصا ، فلمّا تكرّر ذلك علم شعيب أنّ له شأنا فأعطاه إياها ، وفي القصة : أنه في اليوم الأول ساق غنمه ، وقال له شعيب : إنّ طريقك يتشعب شعبين :
على أحدهما كلا كثير . . فلا تسلكه في الرعي فإنّ فيه ثعبانا ، واسلك الشّعب الآخر .
فلمّا بلغ موسى مفرق الطريقين ، تفرّقت أغنامه ولم تطاوعه ، وسامت في الشّعب الكثير الكلأ ، فتبعها ، ووقع عليه النوم ، فلمّا انتبه رأى الثعبان مقتولا ، فإن العصا قتلته ، ولمّا انصرف أخبر شعيبا بذلك فسرّ به . وهكذا كان يرى موسى في عصاه آيات كثيرة ، ولذا قال :
« وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى »
.
قوله جل ذكره :
[ سورة القصص ( 28 ) : آية 29 ]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 )
مضت عشر حجج ، وأراد موسى الخروج إلى مصر ، فحمل ابنه شعيب ، وسار بأهله متوجّها إلى مصر . فكان أهله في تسييره وكان هو في تسيير الحقّ ، ولمّا ظهر ما ظهر بامرأته من أمر الطّلق استصعب عليه الوقت ، وبينا هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارا - أي أبصر ورأى - فكأنه يشير إلى رؤية فيها نوع أنس : وإنّ اللّه إذا أراد أمرا أجرى ما يليق به ، ولو لم تقع تلك الحالة لم يخرج موسى عندها بإيناس النار ، وقد توهّم - أول الأمر - أنّ ما يستقبله في ذلك الوقت من جملة البلايا ، ولكنه كان في الحقيقة سبب تحقيق النبوة . فلو لا أسرار التقدير - التي لا يهتدى إليها الخلق - لما قال لأهله :
« امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ »
.