مستقيم ( في أصول ) « 1 » التوحيد والمعرفة . . وهذه صفة جميع المؤمنين « 2 » .
ومستقيم في الفروع من غير عصيان . . وهؤلاء مختلفون ؛ فمنهم . . ومنهم ، ومنهم .
« وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ »
: الذين لهم البشارة هم كل من استقام في التوحيد ، ولم يشرك . . فله الأمان من الخلود « 3 » . ويقال : من كان له أصل الاستقامة أمن « 4 » من الخلود في النار ، ومن له كمال الاستقامة أمن من الوعيد من غير أن يلحقة سوء بحال . . ثم الاستقامة لهم على حسب أحوالهم ؛ فمستقيم في عهده . ومستقيم في عقده ، ومستقيم في جهده ومراعاة حدّه ، ومستقيم في عقده وجهده وحدّه وحبّه وودّه . . وهذا أتمّهم .
ويقال : استقاموا على دوام الشهود وعلى انفراد القلب باللّه .
ويقال : استقاموا في تصفية العقد ثم في توفية العهد ثم في صحة القصد بدوام الوجد .
ويقال : استقاموا بأقوالهم ثم بأعمالهم ، ثم بصفاء أحوالهم في وقتهم وفي مآلهم .
ويقال : أقاموا على طاعته ، واستقاموا في معرفته ، وهاموا في محبته ، وقاموا بشرائط خدمته .
ويقال : استقامة الزاهد ألا يرجع إلى الدنيا ، وألا يمنعه الجاه بين الناس عن اللّه . واستقامة العارف ألا يشوب معرفته حظّ في الدارين فيحجبه عن مولاه . واستقامة العابد ألا يعود إلى فترته واتباع شهوته ، ولا يتداخله رياء وتصنّع . واستقامة « 5 » المحبّ ألا يكون له أرب من محبوبه ، بل يكتفى من عطائه ببقائه ، ومن مقتضى جوده بدوام عزّه ووجوده .
« أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا »
: إنما يكون الخوف في المستقبل من الوقت ، من حلول مكروه أو فوات محبوب ، فالملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون ، وكل محذور لهم لا يكون .
هامش
( 1 ) هكذا في م وهي في ص ( على أصل ) وهي مقبولة حسب قوله تعالى في موضع آخر ( استقاموا على الطريقة ) ولكننا آثرنا ( في أصول ) لتنسجم مع الفروع .
( 2 ) عن أنس قال : لمّا نزلت هذه الآية قال النبي ( ص ) : « هم أمتي ورب الكعبة » .
( 3 ) أي التخليد في النار . . ويقصد بهم أصحاب المنزلة بين المنزلتين .
( 4 ) لاحظ الربط بين الأمن والأمان من ناحية والإيمان من ناحية أخرى .
( 5 ) أي أن مجرد ذكر المحب للّه ( الباقي ) يكفيه عن تذكر أي عطاء أو منع ، فحسبه اللّه .