تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
أمّا المؤمن فهو خالص للّه عزّ وجلّ ، يشبه « عبدا سلما لرجل » أي ذا سلامة من التنازع والاختلاف . ويقال
« رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ »
تتجاذبه أشغال الدّنيا ، شغل الولد وشغل العيال ، وغير ذلك من الأشغال المختلفة والخواطر المشتّتة . أمّا المؤمن فهو خالص للّه ليس لأحد فيه نصيب ؛ ولا للدنيا معه سبب إذ ليس منها شئ ، ولا للرضوان معه شغل « 1 » ، إذ ليس له طاعات يدلّ بها ، وعلى الجملة فهو خالص للّه ، قال تعالى لموسى :
« وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي »
« 2 » أي أبقيتك لي حتى لا تصلح لغيرى .
« الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
: الثناء له ، وهو مستحقّ لصفات الجلال . قوله جل ذكره :

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 30 إلى 31 ]

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) نعاه - عليه السلام - إليه . ونعى المسلمين إليهم ففزعوا بأجمعهم من ماثمهم « 3 » ، ولا تعزية في العادة بعد ثلاث . ومن لم يتفرّغ من مآثم نفسه وأنواع همومه ، فليس له من هذا الحديث « 4 » شمّة ، فإذا فرغ قلبه من حديث نفسه ، وعن الكون بجملته فحينئذ يجد الخير من ربّه ، وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم ، وأنشد بعضهم :
هامش
( 1 ) لقيت الجنة من كبار الشيوخ مواقف لا يخلو التعبير عنها - عند من لا يفقهونها - الكثير من الاستغراب ، من ذلك ما يقوله أبو يزيد البسطامي : ما الجنة ؟ لعبة صبيان ! ويقول : الجنة هي الحجاب الأكبر لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنة ، وكلّ من سكن إلى الجنة سكن إلى سواه فهو محجوب . ( 2 ) آية 41 سورة طه . ( 3 ) هكذا في ص وهي مقبولة لتناسب الخصومة التي سيترتب عليها في الآخرة الاختصام . ( 4 ) يقصد حديث الفناء عن كل أرب وسيب ، أي الفناء بالمعنى الصوفي .
لطائف الإشارات — صفحة 280 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني