تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
ذلك مفتقر - في حال بقائه إليه - ليديمه ويقيه . فاللّه - سبحانه - غنيّ ، والعبد فقير ؛ العبد فقير بعينه واللّه غنيّ بعينه « 1 » . وأمّا فقر الصفة فهو التجرّد ؛ ففقر العوام التجرّد من المال ، وفقر الخواص التجرد من الأعلال ليسلم لهم الفقر . والفقر على أقسام : فقر إلى اللّه ، وفقر إلى شئ هو من اللّه ؛ معلوم أو مرسوم وغير ذلك . ومن افتقر إلى شئ استغنى بوجود ذلك الشيء ؛ فالفقير إلى اللّه هو الغنيّ باللّه ، والافتقار إلى اللّه لا يخلو من الاستغناء باللّه ، فالمفتقر إلى اللّه مستغن باللّه ، والمستغنى باللّه مفتقر إلى اللّه « 2 » . ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخضوع ، ومن آفات الغنى امتزاجه بالتكبّر . وشرف العبد في فقره ، وكذلك ذلّه في توهمه أنه غنيّ : -
وإذا تذلّلت الرّقاب تقرّبا * منّا إليك فعزّها في ذلّها « 3 »
ومن الفقر المذموم ، أن يستر الحقّ على صاحبه مواضع فقره إلى ربّه ، ومن الفقر المحمود أن يشهده الحقّ مواضع فقره إليه . ومن شرط الفقير المخلص ألا يملك شيئا ويملك كلّ شئ . ويقال : الفقير الصادق الذي لا يملكه شئ « 4 » . ومن آداب الفقير الصادق إظهار التّشكّر عند كمال التكسّر . ومن آداب الفقر كمال المعنى وزوال الدعوى . ويقال الشكر على البلوى والبعد عن الشكوى .
هامش
( 1 ) أي أن العبد - كذات مستقلة - فقير ؛ لأنه مخلوق يحتاج إلى خالقه ، والحق - كذات مستقلة - غنى ؛ لأنه خالق فهو في غير حاجة إلى مخلوقه . ( 2 ) من أقوال الجنيد في هذا الصدد وقد سئل عن الافتقار إلى اللّه : أهو أتم أم الاستغناء باللّه قال : إذا صح الافتقار إلى اللّه فقد صح الاستغناء باللّه ، وإذا صح الاستغناء باللّه كمل الغنى به ؛ فلا يقال أيهما أتم ؛ لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى ( الرسالة ص 135 ) . ( 3 ) من أقوالهم في هذا الصدد : لو علم أبناء الملوك ما نحن فيه من عز لجالدونا عليه . ( 4 ) أي لا يكون أسيرا لغرض أو لعرض ، فتلك آفة الدنيا والنفس .
لطائف الإشارات — صفحة 199 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني