أخبر أن الذين تقدّموه من الرسل كانوا بشرا ، ولم تكن الخصوصية لهم إلا ظهور المعجزات عليهم . وفي الجملة الفضائل بالمعاني لا بالصورة ، ثم قال :
« وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً »
.
( فضّل بعضا على بعض ، وأمر المفضول بالصبر والرضاء ، والفاضل بالشكر على العطاء ) « 1 » وخصّ قوما بالبلاء وجعلهم فتنة لأهل البلاء ، وخصّ قوما بالعوافي ، وآخرين بالأسقام والآلام ، فلا لمن نعّمه مناقب ، ولا لمن امتحنه معايب . . فبحكمه لا يجرمهم ، وبفضله لا بفعلهم ، وبإرادته لا بعبادتهم ، وباختياره لا بأوضارهم ، وبأقداره لا بأوزارهم ، وبه لا بهم .
قوله :
« أَ تَصْبِرُونَ ؟ »
استفهام في معنى الأمر ، فمن ساعده التوفيق صبر وشكر ، ومن قارنه الخذلان أبى وكفر .
قوله جل ذكره :
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 21 ]
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 )
« لا يَرْجُونَ لِقاءَنا »
: لا يؤمنون بالحشر والنشر والرجوع إلى اللّه في القيامة من الدنيا .
وكما كانوا لا يخافون العذاب ، ولا ينتظرون الحشر كذلك كانوا لا يؤمنون لقاء اللّه .
فمنّكر الرؤية من أهل القبلة - ممن يؤمن بالقيامة والحشر - مشارك لهؤلاء في جحد ما ورد به الخبر والنقل ؛ لأن النّقل كما ورد بكون الحشر ورد بكون الرؤية لأهل الإيمان « 2 » .
فالذين لم يؤمنوا قالوه على جهة رؤية المقام لأنفسهم ، وأنه مسلم لهم ما اقترحوه من نزول
هامش
( 1 ) ما بين القوسين في م وغير موجود في ص .
( 2 ) يعود القشيري بعد قليل إلى شرح موضوع الرؤية عند تفسيره الآية :« وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً »