تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
الفراق شديد ، وأشدّه ألا يعقبه وصال ، وفراق المشركين كذلك لأنه قال :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » *
« 1 » ويقال من منى بفراق أحبائه فبئست صحبته . وقد كان بين الرسول عليه السلام وبين أولئك المشركين عهد ، ولا شكّ أنهم كانوا قد وطّنوا نفوسهم عليه ، فنزل الخبر من الغيب بغتة ، وأتاهم الإعلام بالفرقة فجأة ، فقال :
« بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ »
، أي هذه براءة من اللّه ورسوله ، كما قيل :
فبتّ بخير - والدّنى مطمئنة * وأصبحت يوما والزمان تقلّبا
وما أشدّ الفرقة - لا سيّما إذا كانت بغتة على غير ترقّب - قال تعالى :
« وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ »
« 2 » وأنشدوا :
وكان سراج الوصل أزهر بيننا * فهبّت به ريح من البين فانطفا
قوله جل ذكره :

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 2 ]

فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( 2 ) إن قطع عنهم الوصلة فقد ضرب لهم مدة على وجه المهلة ، فأمّنهم في الحال ليتأهبوا لتحمّل مقاساة البراءة فيما يستقبلونه في المآل . والإشارة فيه : أنهم إن أقلعوا في هذه المهلة عن الغىّ والضلال وجدوا في المآل ما فقدوا من الوصال ، وإن أبوا إلا التمادي في ترك الخدمة والحرمة انقطع ما بينه وبينهم من العصمة . ثم قال :
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ »
والإشارة فيه : إن أصررتم على قبيح آثاركم سعيتم إلى هلاككم بقدمكم . وندمتم في عاجلكم على سعيكم ، وحصلتم في آجلكم على خسرانكم ؛ وما خسرتم إلا في صفقتكم ، وما ضرّ جزمكم سواكم وأنشدوا :
تبدّلت وتبدّلنا وا حسرتا * من ابتغى عوضا لليلى فلم يجد
هامش
( 1 ) آية 48 سورة النساء ( 2 ) آية 39 سورة مريم