هذا في شأن أصحاب الاستدراج من مكر الحقّ بهم بتلبيس المنهاج ؛ رأو سرابا فظنوه شرابا ، ودس لهم في شهدهم صابا فتوهموه عذابا « 1 » ، وحين لقوا عذابا علموا أنهم لم يفعلوا صوابا .
قوله جل ذكره :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 57 ]
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 57 )
أمارة الإشفاق من الخشية إطراق السريرة في حال الوقوف بين يدي اللّه بشواهد الأدب ، ومحاذرة بغتات الطّرد ، لا يستقر بهم قرار لما داخلهم من الرّعب ، واستولى عليهم من سلطان الهيبة .
قوله جل ذكره :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 58 ]
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 )
تلك الآيات مختلفة ؛ فمنها ما يكاشفون به في الأقطار من اختلاف الأدوار ، وما فيه الناس من فنون الهمم وصنوف المنى والإرادات ، فإذا آمن العبد بها ، واعتبر بها اقتنع بما يرى نفسه مطالبا به .
قوله جل ذكره :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 59 ]
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 )
يذرون جلّى الشّرك وخفيّه ؛ والشّرك الخفىّ ملاحظة الخلق في أوان الطاعات ، والاستبشار بمدح الخلق وقبولهم ، والانكسار والذبول عند انقطاع رؤية الخلق .
ويقال الشّرك الخفىّ إحالة النادر من الحالات - في المسارّ والمضارّ - على الأسباب كقول القائل . « لولا دعاء أبيك لهلكت » و « لولا همّة فلان لما أفلحت » . . . وأمثال هذا ؛ قال اللّه تعالى
« وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ »
« 2 » .
وكذلك توّهم حصول الشّفاء من شرب الدواء .
فإذا أيقن العبد بسرّه ألا شئ من الحدثان ، ولم يتوهم ذلك ، وأيقن ألّا شئ إلّا من التقدير فعند ذلك يبقى عن الشّرك « 3 » .
هامش
( 1 ) العذاب جمع عذب وهو السائغ من الطعام والشراب ونحوهما ( الوسيط ) .
( 2 ) آيهء 106 سورة يوسف .
( 3 ) أي أن القشيري لا ينكر الأسباب ولكن يعنى على من يتوهم أن من الحدثان شيئا .