التبس عليهم جواز ( بعثه الخلق ) « 1 » واستبعدوه غاية الاستبعاد ، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان ، واحتجّ عليهم في ذلك بما قطع حجتهم ، فمن تبع هداه رشد ، ومن أصرّ على غيّه تردّى في مهواة هلاكه .
واحتجّ عليهم في جواز البعث بما أقروا به في الابتداء أن اللّه خلقهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى ؛ فبدأهم من نطفة إلى علقة ومنها ومنها . . . إلى أن نقلهم من حال شبابهم إلى زمان شيبهم ، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم .
واحتجّ أيضا عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيى الأرض - في حال الربيع - بعد موتها ، فتعود إلى ما كانت عليه في الربيع من الخضرة والحياة . والذي يقدر على هذه الأشياء يقدر على خلق الحياة في الرّمة البالية والعظام النخرة .
قوله :
« وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ »
: زمان الفترة بعد المجاهدة ، وحال الحجبة عقب المشاهدة .
ويقال أرذل العمر السعي للحظوظ بعد القيام بالحقوق .
ويقال أرذل العمر الزلة في زمان المشيب .
ويقال أرذل العمر الإقامة في منازل العصيان .
ويقال أرذل العمر التعريج في ( أوطان ) « 2 » المذلة .
ويقال أرذل العمر العشرة مع الأضداد .
ويقال أرذل العمر ( عيش ) « 3 » المرء بحيث لا يعرف قدره .
ويقال أرذل العمر بأن يوكل إلى نفسه .
ويقال أرذل العمر التطوح في أودية الحسبان أن شيئا بغير اللّه .
ويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النّفس ، والعمى عن شهود تقدير الحق .
هامش
( 1 ) هكذا في م أما في ص فهي ( بعثهم الحق ) ونرجح الأولى إذ الذي استبعدوه أن يبعث اللّه واحدا من الخلق .
( 2 ) هكذا في م وهي غير موجودة في ص .
( 3 ) في م ( عيش ) المرء وفي ص ( حبس ) المرء . وقد رجحنا ( عيش ) على معنى أن اللّه يمنحه من العمر ما لا يكون خلاله تقدير من الخلق له .