علم الحقّ - سبحانه - أنّ الأصنام لا تغنى ولا تنفع ولا تضر ، ولكن يعرّفهم في العاقبة بما يصيّر معارفهم ضرورية « 1 » حسما لأوهام القوم ؛ حيث توهموا أنّ عبادتهم للأصنام فيها نوع تقرب إلى اللّه على وجه التعظيم له كما قالوا :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
« 2 » .
فإذا تحققوا بذلك صدقوا في الندم ، وكان استيلاء الحسرة عليهم ، وذلك من أشد العقوبات لهم .
قوله جل ذكره :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 53 ]
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 )
إذا صارت الأوهام منقطعة ، والمعارف ضرورية ، والنار معاينة استيقنوا أنهم واقعون في النار ، فلا يسمع لهم عذر ، ولا تنفع لهم حيلة ، ولا تقبل فيهم شفاعة ، ولا يؤخذ منهم فداء ولا عدل . . لقد استمكنت الخيبة ، وغلب اليأس ، وحصل القنوط ، وهذا هو العذاب الأكبر .
قوله جل ذكره :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 54 ]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ( 54 )
أوضح للكافة الحجج ، ولكن لبّس على قوم النهج فوقعوا في العوج .
« وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا »
الجدل في اللّه محمود مع أعدائه ، والجدل مع اللّه شرك لأنه صرف إلى مخالفة توهم أن أحدا يعارض التقدير ، وتجويز ذلك انسلاخ
هامش
( 1 ) المعارف إما ضرورية أو كسبية ، والضرورية من الحق ، والكسبية من الخلق .
( 2 ) آية 3 سورة الزمر .