لا أحد أظلم ممّن ذكّر ووعظ بما لوّح له من الآيات ، وبما شاهده وعرفه من أمر أصلح أو شغل كفى أو دعاء أجيب له ، أو سوء أدب حصل منه ، فأدّب بما يكون تنبيها له ، أو حصلت منه طاعة وكوفىء في العاجل إمّا بمعني وجده في قلبه من بسط أو حلاوة أو أنس ، وإمّا بكفاية شغل أو إصلاح أمر . . ثم إذا استقبله أمر نسي ما عومل به ، أو أعرض عن تذكّره ، ونسي ما قدّمت يداه من خيره وشرّه ، فوجد في الوقت موجبه . .
ومن كانت هذه صفته جعل على قلبه سترا وغفلة وقسوة حتى تنقطع عنه بركات ما وهبه .
ويقال من أظلم ممن يستقبله أمر مجازاة لما أسلفه من ترك أربه فيتّهم ربّه ، ويشكو مما يلاقيه ، وينسى حرمة الذي بسببه أصابه ما أصابه ؟ وكما قيل :
وعاجز الرأي مضياع لفرصته * حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
قوله جلّ ذكره :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 58 ]
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ( 58 )
« غفور » : لأنه ذو الرحمة ، ورحمته الأزلية أوجبت المغفرة لهم .
ويقال
« الْغَفُورُ »
: للعاصين من عباده ، و
« ذُو الرَّحْمَةِ »
بجميعهم فيصلح أحوال كافتهم .
« لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا »
: لعجّل لهم العذاب ؛ أي عاملهم بما استوجبوه من عصيانهم ، فعجّل لهم العقوبة ، لكنه يؤخرها لمقتضى حكمته ، ثم في العاقبة يفعل ما يفعل على قضية إرادته وحكمه .
قوله جل ذكره :
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 59 ]
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ( 59 )
لمّا لم يشكروا النّعم ولم يصبروا في المحن عجّلنا لهم العقوبة .
ويقال لمّا غفلوا عن شهود التقدير ، وحرموا روح الرضا وكّلناهم إلى ظلمات تدبيرهم ، فطاحوا في أودية غفلاتهم .