ويقال إذا هبّت رياح القرب على قلوب العارفين عطّرتها بنفحات الأنس ، فيسقون في نسيمها على الدوام ، وفي معناه أنشدوا :
وهبّت شمال آخر الليل قرّة « 1 » * ولا ثوب إلا بردة وردائيا
وما زال بردى لينا من ردائها * إلى الحول حتى أصبح البرد باليا
ويقال إذا هبّت رياح العناية على أحوال عبد عادت مساويه مناقبه ومثالبه محاسنه .
قوله جل ذكره :
[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 23 ]
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 )
نحيى قلوبهم بالمشاهدة ، ونميت نفوسهم بالمجاهدة .
ويقال نحييهم بأن نفنيهم بالمشاهدة ، ونميتهم بأن نأخذهم عن شواهدهم .
ويقال يحيى المريدين بذكره ، ويميت الغافلين بهجره .
ويقال يحيى قوما بموافقة الأمر في الطاعات ، ويميت قوما بمتابعة الشهوات .
ويقال يحيى قوما بأن يلاطفهم بلطف جماله ، ويميت قوما بأن يحجبهم عن أفضاله .
قوله جل ذكره :
[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 24 ]
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ( 24 )
العارفون مستقدمون بهممهم ، والعابدون مستقدمون بقدمهم ، والتائبون بندمهم .
وأقوام مستأخرون بقدمهم وهم العصاة ، وآخرون مستأخرون بهمومهم وهم الراضون بخسائس الحالات .
ويقال المستقدمون الذين يسارعون في الخيرات ، والمستأخرون المتكاسلون عن الخيرات .
ويقال المستقدمون الذين يستجيبون خواطر الحقّ - من غير تعريج إلى تفكر ، والمستأخرون الذين يرجعون « 2 » إلى الرّخص والتأويلات .
ويقال المستقدمون الذين يأتون على مراكب التوفيق ، والمستأخرون الذين تثبطهم مشقة الخذلان .
هامش
( 1 ) قرة أي باردة .
( 2 ) وردت ( يرجون ) وهي خطا في النسخ - حسبما نعرف من رأى القشيري في مثل هذا الموقف .