ويقال الملائكة لا حظوه بعين الخلقة فاستصغروا قدره وحاله ، ولهذا عجبوا من أمر اللّه - سبحانه - لهم بالسجود له ، فكشف لهم شظية مما اختصّه به فسجدوا له .
قوله :
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
: وكذا أمر من حجب عن أحواله ادّعى الخيرة وبقي في ظلمة الحيرة .
ويقال بخل بسجدة واحدة ، وقال : أستنكف أن أسجد لغير اللّه . ثم من شقاوته لا يبالي بكثرة معاصيه ، فإنه لا يعصى أحد إلّا وهو سبب وسواسه ، وداعيه إلى الزّلّة .
وذلك هو عين الشّقوة وقضية الخذلان .
قوله جل ذكره :
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 32 إلى 35 ]
قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32 ) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 33 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 35 )
سأله ومعلوم له حاله ، ولو ساعدته المعرفة لقال : قل لي مالك ؟ وما منعك ؟ ومن منعك حتى أقول . أنت . . . حيث أشقيتني ، وبقهرك أغويتني ، ولو رحمتني ، لهديتنى وفي كنف عصمتك آويتنى . . . ولكنّ الحرمان أدركه حتى قال :
« لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ »
قوله جل ذكره :
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 36 إلى 38 ]
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 36 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 )
ولمّا أبعده الحقّ - سبحانه - عن معرفته ، وأفرده باللعنة استنظره إلى يوم القيامة والبعث ، فأجابه . وظنّ اللّعين أنه حصل في الخبر مقصوده ، ولم يعلم أنه أراد بذلك تعذيبه عذابا شديدا ، فكأنه كان في الحقيقة مكرا - وإن كان في الحال في صورة إجابة السؤال بما يشبه اللطف والبرّ .
وبعض أهل الرجاء يقول : إن الحق - سبحانه - حينما يهين عدوّه لا يردّ دعاءه