الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم ، ولم تقبل منهم صدقتهم وفداؤهم ، وندموا حين لا ندامة ، وجزعوا بعد ما عدموا السلامة .
ويقال :
« وَاسْتَفْتَحُوا »
: بغير الرسل ، ولما وجد الرسل إصرار قومهم سألوا النصرة عليهم من اللّه كقول نوح - عليه السلام :
« رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً »
، وقول موسى عليه السلام :
« رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ »
« 1 » فأجابهم اللّه بإهلاكهم .
ويقال إذا اشتد البلاء وصدق الدعاء قرب النّجاء .
قوله جل ذكره :
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 16 إلى 17 ]
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 )
لفظ « وراء » يقع على ما بين يديه وعلى ما خلف ، والوراء ما توارى عليك أي استتر ؛ يريد هذا الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان ، وعلى ما خلفه ؛ أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله ، ويسقى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة ، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرة واحدة .
قوله جل ذكره :
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ
يرى العذاب - من شدته - في كل عضو ، وفي كل وقت ، وفي كل مكان . وليس ذلك الموت ؛ لأنّ أهل النار لا يموتون ، ولكنه في الشدة كالموت . ثم
« مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ »
: وهو الخلود في النار ، وهذا جزاء من اغترّ بأيام قلائل ساعدته المشيئة فيها ، وانخدع فلم يشعر بما يليها .
هامش
( 1 ) الآية 88 سورة يونس .