أشد العقوبات لهم ، ورضاؤهم بما فيه من الفترة « 1 » أجلّ مصيبة لهم .
قوله جل ذكره :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 16 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 )
الإشارة منها أن من بقي عن الحقوق بالبقاء في أوطان الحظوظ خسرت صفقتهم :
وما ربحت تجارتهم . والذي رضى بالدنيا عن العقبى لفى خسران ظاهر .
ومن آثر الدنيا أو العقبى على الحق تعالى لأشد خسرانا .
وإذا كان المصاب « 2 » بفوات النعيم مغبونا فالذي مني بالبعاد عن المناجاة وانحاز « 3 » بقلبه عن مولاه ، وبقي في أسر الشهوات ، لا إلى قلبه رسول ، ولا لروحه وصول ، ولا معه مناجاة ، ولا عليه إقبال ، ولا في سرّه شهود - فهذا هو المصاب والممتحن .
وإن من فاته وقت فقد فاته ربه ، فالأوقات لا خلف عنها ولا بدل منها ، ولقد قال بعضهم :
كنت السواد لمقلتى * فبكى عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت * فعليك كنت أحاذر
قوله جل ذكره :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 17 ]
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 )
هذا مثل ضربه اللّه سبحانه للمنافقين بمن استوقد نارا « 4 » في ابتداء ليلته ثم أطفئت النيران فبقى صاحبها في الظلمة ، كذلك المنافق ظهر عليه شئ من العوافي في الدنيا بظاهره ثم امتحنوا في الآخرة بأليم العقوبة ، أو لاح شئ من إقرارهم ثم بقوا في ظلمة إنكارهم .
والإشارة من هذه الآية لمن له بداية جميلة ؛ يسلك طريق الإرادة ، ويتعنّي مدة ، ويقاسى بعد الشدة شدة ، ثم يرجع إلى الدنيا قبل الوصول إلى الحقيقة ، ويعود إلى ما كان فيه من ظلمات البشرية . أورق عوده ثم لم يثمر ، وأزهر غصنه ثم لم يدركه ، وعجّل كسوف الفترة على
هامش
( 1 ) الفترة رجوع عن الإرادة وخروج منها ، والوقفة سكون عن السير باستحلاء حالات الكسل ، ووقفة المريد شر من فترته ( الرسالة ص 199 ) .
( 2 ) وردت ( المصايب ) في ص وهي غير ملائمة .
( 3 ) وردت ( وإنجاز ) والأرجح ما اخترنا .
( 4 ) وردت ( ناري ) والأرجح ما اخترنا .