قوله جل ذكره :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 11 إلى 12 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 )
الإشارة منها : أنه إذا دعاهم واعظ في قلوبهم من خفى خواطرهم إلى ما فيه رشدهم تتبعوا رخص التأويل ، ولبّسوا على أنفسهم ما يشهد بقساوة قلوبهم ، وحين جحدوا برهان الحق من خواطر قلوبهم نزع اللّه البركة من أحوالهم ، وأبدلهم تصامما عن الحق ، وابتلاهم بالاعتراض على الطريقة « 1 » وسلبهم الإيمان بها .
وكما أن المرتد أشد على المسلمين عداوة كذلك من رجع عن الإرادة إلى الدنيا والعادة فهو أشد الناس إنكارا لهذه الطريقة ، وأبعد من أهلها ، وفي المثل : من اخترق كدسه « 2 » تمنى أن يقع بجميع الناس ما أصابه .
وإرفاق المرتدين عن طريق الإرادة - عند الصادقين منهم - غير مقبول كما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقبل زكاة ثعلبة .
ويقال كفى لصاحب الكذب فضيحة بأن يقال له في وجهه كذبت ، فهم لمّا قالوا إنما نحن مصلحون ، أكذبهم الحق سبحانه فقال :
« أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ »
: إنّا نعلمهم فنفضحهم .
قوله عز ذكره :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 13 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 )
الإشارة منها أن المنافقين لما دعوا إلى الحق وصفوا المسلمين بالسّفه ، وكذلك أصحاب الغنى إذا أمروا بترك الدنيا وصفوا أهل الرشد بالكسل والعجز ، ويقولون إن الفقراء ليسوا على شئ ، لأنه لا مال لهم ولا جاه ولا راحة ولا عيش ، وفي الحقيقة هم الفقراء وهم أصحاب المحنة ؛ وقعوا في الذل مخالفة الذل ، ومارسوا الهوان خشية الهوان ، شيّدوا القصور ولكن
هامش
( 1 ) يقصد القشيري طريقة الصوفية .
( 2 ) الكدس بضم الكاف وتسكين الدال : المجتمع من كل شئ كالحب المحصود والتمر والدرام والرمل والجمع اكداس ( الوسيط واللسان ) .