ويقال إنّ الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع في أخذ الزيادة من الدنيا مما فوق الكفاية - وإن كان من وجه حلال - تؤدى فتنته إلى من يخرج به من المبتدئين ، فبجملة ما أبدى من الرغبة في الدنيا ، وترك التقلل يؤدى إلى الانهماك في أودية الغفلة والأشغال الدنيوية .
والعابد إذا جنح عن الأشقّ وترك الأولى « 1 » تعدّى ذلك إلى من كان ينشط في المجاهدة ؛ فيستوطنون الكسل ، ثم يحملهم الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات فيصيرون كما قيل :
إن الشباب والفراغ والجدة * مفسدة للمرء أي مفسدة
وهكذا يكون نصيبهم من الفتنة .
والعارف إذا رجع إلى ما فيه حظ له ، نظر إليه المريد ، فتتداخله فترة فيما هو به من صدق المنازلة ، ويكون ذلك نصيبه من فتنة العارف .
وفي الجملة إذا غفل الملك ، وتشاغل عن سياسة رعيته تعطّل الجند والرعية ، وعظم فيهم الخلل والبليّة ، وفي معناه أنشدوا :
رعاتك ضيّعوا - بالجهل منهم - * غنيمات فساستها ذئاب
و
« اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ »
بتعجيله ذلك ، ومن شدة عقوبته أنه إذا أخذ عبدا ليعاقبه لا يمكّنه من تلافى موجب تلك العقوبة .
قوله جل ذكره :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 26 ]
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 )
يذكرهم ما كانوا فيه من القلّة والذّلة وصنوف ( . . . ) « 2 » ثم ما نقلهم إليه من الإمكان والبسطة ، ووجوه الأمان والحيطة ، وقرّبهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك القسم ،
هامش
( 1 ) وردت ( الأولاد ) وهي خطأ في النسخ ، والجنوح عن الأشق وترك الأولى تعبيران مألوفان عندما يتحدث القشيري عن إيثار الصوفي للرخص .
( 2 ) مشتبهة وربما كانت ( الحطّة ) أي نقصان المنزلة ، فإنها قريبة للسياق ، ومنسجمة مع الموسيقى اللفظية .