من اعتصم بمخلوق فقد التجأ إلى غير مجير ، واستند إلى غير كهف ، وسقط في مهواة من الغلط بعيد قعرها ، شديد مكرها . أيبتغون العزّ عند الذي أصابه ذل التكوين ؟ ! متى يكون له عزّ على التحقيق ؟ ومن لا عزّ له يلزمه فكيف يكون له عز يتعدّى إلى غيره ؟
ويقال لا ندري أي حالتهم أقبح : طلب العز وهم في ذل القهر وأسر القبضة أم حسبان ذلك وتوهمه من غير اللّه ؟
ويقال من طلب الشيء من غير وجهه فالإخفاق « 1 » غاية جهده ، ومن رام الغنى « 2 » في مواطن الفاقة فالإملاق قصارى كدّه .
ويقال لو هدوا بوجدان العزّ لما صرفت قصودهم إلى من ليس بيده شئ من الأمر .
قوله :
« فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً »
العزّ على قسمين : عزّ قديم فهو للّه وصفا ، وعزّ حادث يختص به سبحانه من يشاء فهو له - تعالى - ملكا ومنه لطفا « 3 » .
قوله
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ . . . .
الآية : لا تجاوروا أرباب الوحشة فإن ظلمات أنفسهم تتعدى إلى قلوبكم عند استنشاقكم ما يردّون من أنفاسهم ، فمن كان بوصف ما متحققا شاركه حاضروه فيه ؛ فجليس من هو في أنس مستأنس « 4 » ، وجليس من هو في ظلمة مستوحش .
ويقال هجران أعداء الحقّ فرض ، ومخالفة الأضداد ومفارقتهم دين ، والركون إلى أصحاب الغفلة قرع باب الفرقة .
هامش
( 1 ) وردت ( الأحقاف ) وهي خطأ في النسخ إذ المقصود الخيبة والإخفاق .
( 2 ) أخطأ الناسخ فكتبها بالألف هكذا : ( الغنا ) .
( 3 ) يتساءل القشيري في كتابه « التحبير في التذكير » تحت اسم « العزيز » : فإن قيل كيف الجمع بين قوله تعالى :« مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً »وقوله تعالى« وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ »ثم يجيب : لا تنافى بينهما فان العز الذي للرسول وللمؤمنين هو للّه تعالى ملكا وخلقا ، وعزه - سبحانه وتعالى - له وصفا ، فإذا العز كله للّه تعالى .
( 4 ) أخطأ الناسخ إذ كتبها ( مستأنف ) ولا معنى لها هنا والصواب ( مستأنس ) لتقابل ( مستوحش )