ويقال لا تتمنّ مقامات الرجال فإنّ لكل مقام أهلا عند اللّه ، وهم معدودون ؛ فما لم يمت واحد منهم لا يورث مكانه غيره ، قال تعالى :
« جَعَلَكُمْ خَلائِفَ » *
والخليفة من يخلف من تقدّمه ، فإذا تمنّيت مقام ولىّ من الأولياء فكأنّك استعجلت وفاته ؛ على الجملة تمنيت أو على التفصيل ، وذلك غير مسلّم .
ويقال خمودك تحت جريان حكمه - على ما سبق به اختياره - أحظى لك من تعرضك لوجود مناك ، إذ قد يكون حتفك في منيتك .
ويقال من لم يؤدّب ظاهره بفنون المعاملات ، ولم يهذّب باطنه بوجوه « 1 » المنازلات فلا ينبغي أن يتصدّى لنيل المواصلات ، وهيهات هيهات متى يكون ذلك !
« وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ »
: الفرق « 2 » بين التمني وبين السؤال من فضله من وجوه :
يكون التمني للشئ مع غفلتك عن ربك ؛ فتتمنى بقلبك وجود ذلك الشيء من غير توقعه من اللّه ، فإذا سألت اللّه فلا محالة تذكره ، والآخر أن السائل لا يرى استحقاق نفسه فيحمله صدق الإرادة على التملّق والتضرع ، والمتمنى يخلو عن هذه الجملة .
والآخر أن اللّه نهى عن تمنى ما فضل اللّه به غيرك إذ معناه أن يسلب صاحبك ما أعطاه ويعطيك إياه ، وأباح السؤال من فضله بأن يعطيك مثل ما أعطى صاحبك .
ويقال لا تتمنّ العطاء وسل اللّه أن يعطيك من فضله الرضا بفقد العطاء وذلك أتمّ من العطاء ، فإنّ التّحرّر من رقّ الأشياء أتمّ من تملّكها .
قوله جل ذكره :
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 33 ]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ( 33 )
جعل المعاقدة في ابتداء الإسلام نظيرة النّسب في ثبوت الميراث بها فنسخ حكم الميراث
هامش
( 1 ) وردت ( بوجوده ) والصواب أن الدال زائدة ليتلاءم المعنى مع ( فنون ) كذلك فإن ( بوجوده المنازلات ) غير مستقيمة .
( 2 ) لاحظ كيف تثرى بحوث القشيري التي من هذا القبيل علوم اللغة والبلاغة .