تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
ورد صاحبه على مناهل التحقيق ، وإذا حصل الشهود والحضور سما صاحبه عن الفكر إلى حدود الذكر ، فالذكر سرمد « 1 » . ثم فكر الزاهدين في فناء الدنيا وقلة وفائها لطلابّها فيزدادون بالفكرة زهدا فيها . وفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطا عليه ورغبة فيه . وفكر العارفين في الآلاء والنعم فيزدادون محبة للحق سبحانه . قوله جل ذكره :
سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
. التسبيح يشير إلى سبح الأسرار في بحار التعظيم . قوله جل ذكره :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 192 ]

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) من ابتليته في الآجل بالحرقة فقد أخزيته ، ومن ابتليته بالفرقة في العاجل فقد أشقيته ، ومن أوليته بيمن الوصلة فقد آويته وأدنيته . قوله جل ذكره :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 193 ]

رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) يعنى أجبنا الداعي ولكن أنت الهادي ، فلا تكلنا إلينا ، ولا ترفع ظلّ عنايتك عنّا . والإيمان الدخول في موجبات الأمان ، وإنما يؤمن بالحق من أمّنه الحق ، فأمان الحق للعبد - الذي هو إجارته - يوجب إيمان العبد بالحق الذي هو تصديقه ومعرفته .
هامش
( 1 ) [ سأل أبو عبد الرحمن السلمى الشيخ الدقاق . آلذكر أتم أم الفكر ؟ فقال الدقاق : ما الذي يقع لك منه ؟ فأجاب السلمى : عندي الذكر أتم من الفكر لأن الحق سبحانه يوصف بالذكر ولا يوصف بالفكر وما وصف به الحق سبحانه أتم مما اختص به الخلق فاستحسنه الدقاق ] الرسالة ص 111 . وقد ذكرنا هذه الرواية هنا : أولا لتوضح الفرق بين الذكر والفكر وثانيا لتبرز قول القشيري : ( الذكر سرمد ) أي مستدام .
لطائف الإشارات — صفحة 306 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني