تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
والذكر طريق الحق - سبحانه - فما سلك المريدون طريقا أصحّ وأوضح من طريق الذكر ، وإن لم يكن فيه سوى قوله : « أنا جليس من ذكرني » لكان ذلك كافيا . والذاكرون على أقسام ، وذلك لتباين أحوالهم : فذكر يوجب قبض الذاكر لما يذكره من نقص سلف له ، أو قبح حصل منه ، فيمنعه خجله عن ذكره ، فذلك ذكر قبض . وذكر يوجب بسط الذاكر لما يجد من لذائذ الذكر ثم من تقريب الحقّ إيّاه بجميل إقباله عليه . وذاكر هو محو في شهود مذكوره ؛ فالذكر يجرى على لسانه عادة ، وقلبه مصطلم فيما بدا له . وذاكر هو محل الإجلال يأنف من ذكره ويستقذر وصفه « 1 » ، فكأنه لتصاغره عنه لا يريد أن يكون له في الدنيا والآخرة ( ثناء ) « 2 » ولا بقاء ، ولا كون ولا بهاء ، قال قائلهم :
ما إن ذكرتك إلا همّ يلعننى * قلبي وروحي وسرى عند ذاكراكا
حتى كأنّ رقيبا منك يهتف بي * إياك ويحك والتذكار إياكا
والذكر عنوان الولاية ، وبيان الوصلة ، وتحقيق الإرادة ، وعلامة صحة البداية ، ودلالة صفاء النهاية ، فليس وراء الذكر شئ ، وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ، ومنشأة عن الذكر . قوله جل ذكره :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
. التفكر نعمة كل طالب ، وثمرته الوصال بشرط العلم ، فإذا سلم الذكر عن الشوائب
هامش
( 1 ) هذا النوع من الذكر يلتقى بتعاليم أهل الملامة النيسابورية الذين لا ينظرون لأي عمل إلا من حيث رؤية التقصير فيه . ( 2 ) ربما كانت ( فناء ) وإن كان المعنى يتقبل كليهما .