فقوله : المغلة في وصف الجنّة يدلّ على أن الجنة يكون فيها الزرع ، لأن الغلّة إنّما هي ممّا يكال بالقفيز في أكثر الأمر ، وممّا يقوّي ذلك قول زهير « 1 » :
فتغلل لكم ما لا تغلّ لأهلها * قرى بالعراق من قفيز ودرهم
فبين الغلة بالقفيز والدرهم ، ومن ذهب من الفقهاء إذا قال : أوصيت له بغلّة هذه القرية ، أنّه يكون على ما فيه في الحال ، والثاني ، والثمرة على ما كان وقت الكلام للوصيّة دون ما يحدث من بعد يشهد له بيت زهير .
فإذا اجتمع النخل والكرم في أرض سمّيت جنّة بدلالة قوله :
وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
[ يس / 34 ] وقوله :
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ
[ الإسراء / 91 ] ، وهذا يقوّي قول من جرّ النخيل في قوله : ( وجنات من أعناب وزرع ونخيل ) ، لأنّه قد ثبت أنّ الجنّة تكون من الكرم والنخيل في الآيتين اللتين تلوناهما . والصّنوان فيما يذهب إليه أبو عبيدة ، صفة للنخيل قال : والمعنى أن يكون الأصل واحدا ، ثم يتشعب من الرؤوس فيصير نخلا ويحملن . قال : وقال :
( وتسقى بماء واحد ) ، إنما تشرب من أصل واحد ،
وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
وهو الثمر « 2 » .
هامش
( 1 ) شرح ديوان زهير ص 21 . قال في معناه : إن هذه الحرب تغل لكم من هذه الدماء ما لا تغل قرى بالعراق : وهي تغل القفيز والدرهم - وهذا تهكم منه واستهزاء .
( 2 ) انظر مجاز القرآن 1 / 322 .