وأبو هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنها سبع فليس بناقض لهذا لأن قذف المحصنة واليمين الغموس والسحر داخلان في قول الزور وحديث ابن مسعود الذي فيه « أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك » داخل في قتل النفس المحرمة ولم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا تكون الكبائر إلا هذه فيجب التسليم . وقد روى مسروق عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال :
الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية .
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[ النساء : 31 ] فأولى ما قيل في الكبائر وأجمعه ما حدثناه علي بن الحسين قال : قال الحسين بن محمد الزعفراني قال : حدّثنا أبو قطن عن يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين قال : سئل ابن عباس عن الكبائر فقال : كلّ ما نهى اللّه جلّ وعزّ عنه - فهو من الكبائر حتّى ذكر الطرفة ، وحدّثناه بكر بن سهل قال : حدّثنا عبد اللّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال :
الكبائر كل ما ختمه اللّه جلّ وعزّ بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب . قال أبو جعفر : فهذا قول حسن بيّن لأن اللّه جلّ وعزّ قال :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[ النساء : 31 ] فعقل بهذا أن الصغائر لا يعذّب عليها من اجتنب الكبائر : فإذا أعلم اللّه جلّ وعزّ أنه يدخل على ذنب النار علم أنه كبيرة وكذا إذا أمر أن يعذّب صاحبه في الدنيا بالحد ، وكذا قال الضحاك : كل موجبة أوجب اللّه تعالى لأهلها العذاب فهي كبيرة وكلّ ما يقام عليه الحدّ فهو كبيرة . فهذا المعنى الذي بيّنا بعد ذكر الأحاديث المسندة فهو شرح أيضا قول اللّه تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
وكل ما كان مثله .
[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 38 ]
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 )
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ
في موضع خفض والمعنى وما عند اللّه خير وأبقى للذين آمنوا والذين استجابوا لربهم
وَأَقامُوا الصَّلاةَ
أي أتمّوها بحدودها بركوعها وسجودها وخشوعها .
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
مبتدأ وخبره .
[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 39 ]
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 )
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ
في موضع خفض كالأول .
هُمْ يَنْتَصِرُونَ
وهذا مدح لهم وصفوا أنهم إذا بغى عليهم باغ أو ظلمهم ظالم لم يستسلموا له لأنهم لو استسلموا له لم ينهوا عن المنكر وفعله ذلك بهم منكر . وفي حديث حذيفة عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم « لا يحلّ للمسلم أن يذلّ نفسه » . قيل : كيف يذلّ نفسه ؟ قال : « يتكلّف من البلاء ما لا يطيقه » « 1 » .
[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 40 ]
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 )
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
مبتدأ وخبره . والسيّئة الأولى سيّئة على الحقيقة والثانية
هامش
( 1 ) الحديث في تنزيه الشرائع لابن عراق 2 / 363 ، والفوائد المجموعة للشوكاني 378 .