وقوله - عزّ وجل - :
وَالْجِبالَ أَرْساها
، أثبتها ؛ لئلا تميد بأهلها .
وقوله - عزّ وجل - :
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
: فيه أن ما جعله متاعا لنا قد جعل شيئا من ذلك للدواب أيضا ، والذي جعله للأنعام ، لم يجعل لنا فيه شركاء ؛ وذلك لأن الذي أنشأه لمتاع البشر منه ما يستخبث ويستقذر ، ومنه ما يستطاب ويدخر ، فجعل ما طاب منه للبشر ، وما خبث منه لمنافع الدواب ، والذي أنشأه لمنافع الدواب مما تستخبثه الطباع وتستقذره ، ففضّل أغذية « 1 » من فضّل منازلهم ، ففيما ذكرنا دلالة إباحة التناول من الطيبات ؛ إذ الله تعالى منّ على عباده أن جعل أغذيتهم بما طاب من الأشياء ، وفضلهم على الأنعام ، [ فمن كره ذلك ] « 2 » فقد كره الانتفاع بما أنشئ للانتفاع ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 34 إلى 46 ]
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ( 35 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 )
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 ) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 )
إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ( 44 ) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 )
وقوله - عزّ وجل - :
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
قال : الطامة : هي الصيحة ، سميت :
طامة ؛ لأنها تطم الأشياء وتعمها ، وسميت : كبرى ؛ لأنها إن طمت بالعذاب فهو يدوم ولا ينقطع ، وإن أحاطت بالثواب والكرامة فهو يدوم ولا ينقطع ؛ فسميت : كبرى ؛ لدوامها .
وقوله - تعالى - :
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى
: ما عمل ، وتذكره يكون بوجهين :
أحدهما : بقراءته كتابه ؛ [ كقوله تعالى ] « 3 » :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
[ الإسراء : 14 ] والتذكر الثاني يكون بالجزاء .
فالتذكر الأول يكون باللطف من الله تعالى ، وإلا فالمرء قد يكتب أشياء ، ثم ينساها إذا طالت المدة ، ولا يتذكر بالقراءة ، ففيما لم يتول كتابته « 4 » أحق ألا يتذكر ، لكن الله - تعالى - بلطفه يذكره بالقراءة ؛ فيعرف به صدق ما كتبته الملائكة ، ويعرف أنه إذا عوقب ، عوقب جزاء ما كسبته يداه ، ويكون الجزاء أبلغ في التذكير ؛ فيتذكر في ذلك الوقت ، أيضا .
هامش
( 1 ) في أ : منه أغذيته .
( 2 ) في ب : بذلك .
( 3 ) في ب : قال الله تعالى .
( 4 ) في أ : كتابة .