تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
وقوله - عزّ وجل - :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى
وقرئ ( لمن ترى ) فتضيف الرؤية إلى الجحيم ؛ كقوله :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
[ الفرقان : 12 ] . وقوله - عزّ وجل - :
لِمَنْ يَرى
جائز أن تكون الرؤية كناية عن الحضور والدخول ؛ فيكون قوله :
لِمَنْ يَرى
أي : لمن يدخلها ويحضرها ، وهو كقوله :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] ، ومعناه : أن رحمة الله للمحسنين ، وقال تعالى :
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ
[ الأعراف : 19 ] ، وأريد بالقرب : التناول ؛ فكنى عنه بالقرب ؛ فجائز أن تكون الرؤية هاهنا كناية عن الدخول والحضور ؛ فيكون فيه إخبار عن إحاطة العذاب بجميع أبدانهم . وجائز أن يكون أهل الرؤية هم أهل الجنة ، فيرونها مشاهدة ؛ فيتلذذون بذلك لما نجوا وفازوا بالنعيم ، كما تألموا بذكرها عندما كانت غائبة لا يرونها ؛ قال الله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ
[ المؤمنون : 60 ] ، وقالوا :
إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا . .
. الآية [ الطور : 26 ، 27 ] . وقوله - عزّ وجل - :
فَأَمَّا مَنْ طَغى
، أي : عصى ، وتمرد . أو طغى بأنعم الله - تعالى - فاستعملها في معاصيه ، أو جاوز حدود الله . وقوله - عزّ وجل - :
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا
جائز أن يكون إيثاره أن يبتغي بمحاسنه الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك عن الآخرة ، وإذا ابتغى بها الحياة الدنيا ، لم يبق له في الآخرة نصيب ؛ لأنه قد وفي له عمله ؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى - :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها
[ هود : 15 ] . وقوله - عزّ وجل - :
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
، أي : يأوي إليها . وقوله - تعالى - :
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
: جائز أن يكون أريد بالمقام حساب ربه أو مقامه عند ربه ، فأضيف إلى الله تعالى ؛ لأن البعث مضاف إليه ، فكل أحواله أضيف إليه أيضا . وجائز أن يكون الخوف راجعا إلى الحالة التي هو فيها ؛ فيخاف أن يكون مقامه في موضع نهى الله تعالى عن المقام فيه . وقوله - عزّ وجل - :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
، ليس هذا نهي قول ، وإنما نهيه إياها أن يكفها عن شهواتها ولذاتها ، وكفها أن يشعرها عذاب الآخرة ، ويخوفها آلامها وعقابها ، فإذا فعل ذلك سهل عليها ترك الشهوات الحاضرة ، وسهل عليها العمل للآخرة ، والناس في نهي النفس عن هواها على ضربين :