تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 626

مساهمون:

ص٦٢٦
فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره ؛ ألا ترى إلى قوله :
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
[ التوبة : 71 ] ، يجوز أن يكون هذا كناية عن الأمر ؛ لأنه بين النواهي والمناكير ، ثم قال اللّه - تعالى - :
وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ
؛ فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره ؛ ألا ترى إلى قوله :
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[ الأعراف : 157 ] . وقوله - عزّ وجل - :
فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ
، ولم يقل هاهنا : امتحنوهن ، كما قال في المهاجرات ، ومعنى ذلك عندنا وجهان : أحدهما : أنه قد تبين هاهنا وجه الامتحان بقوله :
لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ
، فاستغنى عن ذكر الامتحان . والوجه الثاني : أن المهاجرات إنما كن يأتين من دار الحرب ، ولم يكن علمن الشرائع ؛ فاحتجن إلى الامتحان ، وأما هؤلاء : كن في دار الإسلام ، وقد علمن شرائعه ؛ فلم يذكر الامتحان لذلك ، واللّه أعلم . وقوله :
وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ
هذا يدل على أن الكبائر لا تخرجهن عن الإيمان ؛ لأنه يعلم أن الاستغفار لما يجيء منهن من تضييع هذه الحدود ولو كن يخرجن بتضييعها من الإيمان لم يؤمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالاستغفار لهن ؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة ، ويستحيل أن يطلب منه مغفرة من ليس له غفران ؛ فدل على ما وصفنا : أن ارتكاب الكبائر لا يخرج صاحبه من الإيمان ، واللّه أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الممتحنة ( 60 ) : آية 13 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ( 13 ) وقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
فكأن اللّه - عزّ وجل - أمرنا أن نغضب على من غضب هو عليه ، وأن نعادي من عاداه ، ونوالي من والاه . وقوله :
قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
الآية . له تأويلان : أحدهما : يعني به : الذين غيروا نعت نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وحرفوه من التوراة ؛ فكأن في التوراة أن اللّه تعالى آيسهم من ثوابه في الآخرة ، كما أيس الكفار من أصحاب القبور أن يبعثوا . ويجوز أن يكون معناه : ييئس هؤلاء من رحمة اللّه ، كما يئس الكفار الذين هم في القبور من رحمة اللّه ، تعالى .