تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
وكذلك قوله :
وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ .
خرج مخرج العموم في الظاهر ، ولكن الذين أخرجوه إنما كانوا أهل مكة خاصة دون سائر الكفرة ، فهذا يبين أن ما أجري مجرى العموم لم يجر لظاهر اللفظ ، ولكن لما يوجب الحكمة والدليل . وكذلك قوله - تعالى - :
إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . . .
الآية [ الجمعة : 9 ] : ليس أن السعي إنما فرض يوم الجمعة لتخصيصه بالذكر ؛ ولكن لما أن النداء في يوم الجمعة إلى ذكرين ، وفي غيره من الأيام إلى ذكر واحد ؛ ولأجل أن النداء المضيق في يوم الجمعة هو النداء الأول ، وفي غيره من الأيام هو النداء الثاني ، فإذا جاز أن يكون فرض السعي في يوم الجمعة إنما هو لهذين المعنيين - ثبت أن التخصيص ليس لظاهر اللفظ ، واللّه أعلم . وفي هذه الآية دلالة رسالته صلى اللّه عليه وسلم وذلك أن قوله :
تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
أن ذلك الرجل لم يطلع على سره أحدا ، وقد أطلع اللّه - تعالى - نبيه ؛ حيث أخبرهم بالكتاب ؛ فثبت أنه علمه بالوحي ، واللّه أعلم . ثم اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية ؟ فقال الحسن : إنها نزلت في أهل النفاق . وقال غيره من عامة المفسرين : إنها نزلت في حاطب بن [ أبي ] بلتعة « 1 » ، وهذا أشبه التآويل بالصواب ، وأقرب إلى الحق ؛ وذلك أن اللّه - تعالى - [ قال ] :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
: فقد أخبر أن الكفرة عدو لهم ، ولو كانت الآية في أهل النفاق لم يكن الكفرة عدوّا لهم ؛ بل كانوا أولياء ، فثبت أن المراد منه : المؤمنون ، واللّه أعلم . وفي هذه الآية دلالة أن ذلك الذنب الذي ارتكبه ذلك الرجل لم يخرجه من الولاية ؛ لأنه قال :
لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ
، ولو كان ذلك الذنب يكفره ويخرجه عن الإيمان لم يكن ذلك الكافر عدوّا له ؛ بل يكون وليّا له بقوله :
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
[ الجاثية : 19 ] ، ولأجل أنه قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
: سماه : مؤمنا ، والدليل على أن ذلك الذنب كان كبيرة أنه أخبرهم بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جهزهم للقتال ، وفيما أخبر : أمر بأن يستعدوا لقتال النبي صلى اللّه عليه وسلم وحربه ، ولا يشكل أن من أمر بقتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان مرتكب كبيرة ، وإذا كان كذلك ، وقد أحله اللّه - تعالى - في جملة المؤمنين بقوله :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 6 / 166 ، 167 ) ، في الجهاد ، باب : الجاسوس ( 3007 ، 3081 ، 3983 ، 4274 ، 4890 ، 6259 ، 6939 ) ، ومسلم ( 4 / 1941 ) ، في كتاب فضائل الصحابة ، باب : من فضائل أهل بدر ( 161 / 2494 ) .