تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
مثل صنيعهم فيستوجبوا من النقمة مثل ما استوجب أولئك . وما كان منها في حق الرسل - عليهم السّلام - فهو في حق التسلي لرسولنا وسيدنا صلّى اللّه عليه وسلّم عن بعض ما مسه . وأصل آخر : أن الخطاب قد يلزم المخاطب مرة بما يخاطب في نفسه ، ومرة بما يؤمر بالاقتداء بغيره إذا كان ذلك الغير لم يفعل ما فعله إلا عن أمر . ثم إن اللّه - تعالى - أمر المؤمنين من هذه الأمة الاقتداء بإبراهيم - عليه السّلام - ومن معه من المؤمنين ، وأخبرهم عن معاملتهم إياهم وترك مولاتهم ؛ فكأنه قال : اتركوا موالاة الكفرة والإسرار إليهم بالمودة ما داموا على كفرهم ، كما فعله إبراهيم - عليه السّلام - والذين معه
إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ
: فنابذوهم ولم يوالوهم ، فافعلوا كفعلهم .
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ .
فكأنه قال : اقتدوا بهم إلا بما قال إبراهيم لأبيه :
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
، يعني : لا تستغفروا للمشركين مثلما استغفر إبراهيم لأبيه المشرك ؛ لأنكم لا تعلمون المعنى الذي استغفر إبراهيم - عليه السّلام - لأبيه . ثم اختلفوا في المعنى الذي استغفر إبراهيم لأبيه : فقال أبو بكر : إنه كان - صلوات اللّه عليه - وعد أن يستغفر لأبيه ، ورأى أن إيجاب الوعد لازم عليه ؛ فاستغفر لهذا المعنى . وقال الحسن : إنه إنما استغفر له لوقت توبته لا في حال الشرك ؛ لأنه لا يتوهم أنه لم يعلم أنه لا يحل له أن يستغفر للمشرك ، ومن علم أنه يحل له لم يكن مسلما مؤمنا ؛ فثبت [ أنه ] إنما استغفر لوقت إسلامه . وعندنا : الاستغفار : طلب المغفرة ، والمغفرة من اللّه - تعالى - على وجهين : أحدهما : مغفرة رحمة وفضل وكرم . والثاني : أن يوفقه للسبب الذي إذا جاء به غفر له ؛ ألا ترى إلى قوله :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
[ نوح : 10 ] ، أي : السبب الذي إذا جئتم به غفر لكم ، وإذا كان كذلك جاز أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه على هذا الوجه أن يكون طلب من اللّه - تعالى - التوفيق له بالسبب الذي إذا جاء به غفر له ، وذلك مستقيم ، ولكنه لما تبين أنه لا يوفقه لذلك السبب تبرأ منه ، واللّه أعلم . وقوله :
وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ .
أي : لا أملك أن أدفع عنك عذاب اللّه من شيء ، أو لا أملك أن أهديك دون أن