تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي
وبما وصفناه من الدليل - ثبت أن الكبيرة لا تكفره ، ولا تغير اسم الإيمان عنه ، واللّه الموفق . ثم فيما نهانا أن نتخذ عدونا وعدوه أولياء دلالة أن ليس في الحكمة اتخاذ الولاية مع الأعداء . ثم من قول المعتزلة : إن اللّه - تعالى - أراد من جميع عباده أن يؤمنوا ، وإذا أراد أن يؤمنوا فقد أراد أن يواليهم مع علمه أنهم يختارون عداوته ؛ فكأنهم وصفوا اللّه - تعالى - بما يخرجه من الحكمة ويدخل في السفه والجهل بالعواقب ، وذلك كله منفي عن اللّه - سبحانه وتعالى - والمعتزلة فيما وصفوا فجرة فسقة ، ويخشى أن يكونوا كفرة ، واللّه المستعان . وقوله - عزّ وجل - :
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ
، أي : بما كتب في الكتاب . وقوله - عزّ وجل - :
وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ
، وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي .
يحتمل أن يكون ذلك فيمن هاجر من مكة إلى المدينة ، وهو أقرب التأويلين ؛ لأن حاطبا إنما كان هاجر من مكة إلى المدينة وفيه نزلت الآية . ويحتمل أن يكون ذلك حين أرادوا الجهاد إلى مكة ، واللّه أعلم أي ذلك كان . وقوله - عزّ وجل - :
تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ .
أي : هو
أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ
من كتابة الكتاب إلى أهل مكة ،
وَما أَعْلَنْتُمْ
: بما أظهرتم من العذر . وقوله - عزّ وجل - :
وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ
، أي : من اتخاذ الولاية مع أعدائه ،
فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
، في الاعتقاد : إن اعتقد ذلك ، وفي الفعل : إن لم يعتقده ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ .
التزام مراقبة اللّه - تعالى - في السر والعلانية ، وتحذير لهم ؛ ليجمعوا بين السر والعلانية وتخويف لهم عن أن يطلع رسوله - عليه الصلاة والسّلام - على سرائرهم كما أطلعه على أمر الكتاب إلى أهل مكة . ثم في هذه الآية أعظم شيء في زجرهم ونهيهم عن المعاصي ، وذلك أنه لما أطلعه على جميع ما يتعاطونه من الذنوب سرّا وعلانية ؛ فإذا علموا أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم من سرهم ما يعلم من علانيتهم بما يطلعه اللّه عليه ؛ يحملهم ذلك على الانتهاء عن المعاصي في السر والعلانية ، وعلى الإجابة إلى ما يدعوهم إليه ، واللّه أعلم .