تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
ثم اختلف في سبب تلك النجوى : قال بعضهم « 1 » : إنه كان بين اليهود وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم موادعة ، فإذا [ وجد ] رجل من المسلمين وحده يتناجون بقتله بينهم ، [ أو ] يظن المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره ؛ فيترك الطريق من المخافة ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنهاهم عن النجوى ، فلم ينتهوا ، وعادوا إلى النجوى ؛ فنزل ما ذكر . ومنهم من قال : إن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانوا إذا خرجوا من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قام أناس من اليهود وأناس من المنافقين يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين ، وينظرون نحو واحد منهم ، فإذا رآهم ينظرون نحوه ، قال : ما أظن هؤلاء إلا قد بلغهم خبر أقربائي الذين بعثهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في السرايا من قتل أو موت ؛ فيقع في قلبه من ذلك ما يحزنه ، فلا يزال كذلك حتى يقدم حميمه من تلك السرية . لكن الأولى عندنا السكوت عن ذكر هذا وأمثاله ؛ لأنه خرج مخرج الاحتجاج وجعله آية عليهم ؛ فيجوز أن يكون على خلاف ما ذكر ؛ فيوجب الكذب في الخبر ؛ فالإمساك عنه أحق . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ .
ذكر أنهم كانوا إذا أتوا رسول اللّه يقولون : السام عليك يا محمد ؛ فيجيبهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ويرد عليهم ويقول : عليكم « 2 » . ففيه دلالة رسالته ؛ لأنهم حيوه شرّا منه ، فأطلعه اللّه - تعالى - على ما أسروا ، وكذلك ما قال :
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ
: هلا يعذبنا اللّه بما نقول في السر فيه دلالة الرسالة ؛ لأنه معلوم أنهم قالوا ذلك سرا في أنفسهم ، فأطلع اللّه - تعالى - رسوله على ما في أنفسهم ، ففيه أنه بالله - تعالى - عرف [ ذلك ] . ثم قوله - عزّ وجل - خبرا عنهم :
لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ .
جائز أن يكون من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لهم وعيد بالتعذيب ؛ لأجل التناجي الذي كان فلما تأخر ذلك عنهم قالوا عند ذلك : إنه لو كان رسولا على ما يقوله لعذبنا على ما قال ووعد ، لكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن كان وعد لهم العذاب لم يبين متى يعذبون ، فعذابهم ما ذكر حيث قال :
حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ
، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قاله مقاتل بن حيان ، أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 6 / 269 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 11 / 44 ) ، في كتاب الاستئذان : باب كيف الرد على أهل المدينة بالسلام ( 6256 ) ، ومسلم ( 4 / 1706 ) ، في كتاب السلام : باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ( 10 / 2165 ) .