تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
لأن أهل الكتاب وبعض المشركين يقرون بالبعث ، وبعض المشركين ينكرون مع الدهرية . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ .
أي : النجوى الذين كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ، ليس كل نجوى على ظاهر ما يخرج الخطاب عامّا ؛ ولكن يرجع إلى النجوى التي ذكرنا ، وهو الذي نهوا عنه . ثم قوله :
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ
جائز أن يكون معناه : ابتداء النجوى في الشر من الشيطان ، وهو ما ذكر في بعض القصة أن اللّه - تعالى - لما خلق آدم - عليه السلام - قال إبليس للملائكة : أرأيتم إن فضل هو عليكم ما تصنعون ؟ فأجابوه بما أجابوا ؛ فقال هو : إن فضلت عليه لأهلكنه ، وإن فضل هو على لأعاديه ، فقد ناجاهم في أمر آدم - عليه السلام - بالشر ، فكان أول النجوى في الشر من الشيطان . وقوله - عزّ وجل - :
لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا .
لولا أن الشيطان في حال الحزن يكون أملك على إفسادهم وإخراجهم من أمر اللّه - تعالى - وإدخالهم في نهيه ؛ وإلا لم يكن لقوله :
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا
معنى ؛ فدل أنه - لعنه اللّه - في حال الحزن والغضب أملك وأقدر من حال السرور والسعة ، لكنه بما يدعوه إلى اللذات ويمنيه أشياء كان قصده من ذلك أن يوقعه في الضيق والشدة لما هو عليه أقدر في تلك الحال ؛ ولذلك قال لآدم وحواء - عليهما السلام - :
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
[ طه : 120 ] تلقاهم بالغرور بالذي ذكر ، ومناهم ما ذكر ، وكان قصده من ذلك إبداء عورتهما وإيقاعهما في الضيق والبلاء ؛ حيث قال :
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما . . .
الآية [ طه : 121 ] ، مكن اللّه - تعالى - إبليس من الشر بالذي ذكرنا ، ولم يمكن له من إفساد الطعام واللباس والأشربة ونحو ذلك ، وهو دون الأول ، وذلك أكثر ، لكن هذا في الضرر الدنياوي أكثر ؛ فلم يمكنه من إفساد هذه الأشياء تفضلا منه وإحسانا عليهم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ .
أي : ليسوا بضارين لهم فيما يتناجون من الكيد بهم والمكر ، واللّه أعلم . ثم قال :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ .
أي : في دفع من قصدهم من الكيد بهم والمكر والهلاك ، وعليه يتوكلون في النصر لهم والمعونة على أعدائهم ، والتوفيق لهم في كل خير ، وكل هذا وصف المؤمنين وأما المعتزلة ، فهم بمعزل عن هذه الآية ، وكذلك : المؤمنون على قولهم غير متوكلين على