البطون ، لا يدفع عنهم ما يأكلون من الزقوم وغيره الجوع ، ولا ما يشربون من الحميم العطش عنهم ، بل يزداد لهم بذلك جوع وعطش على ما كان ، واللّه أعلم .
وقوله :
فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ . فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ
قيل « 1 » : الهيم : هو إبل يأخذه الداء ، فيشرب حتى يملأ البطن ، فلا يروى أبدا ؛ للداء الذي فيه ؛ فعلى ذلك أهل النار يشربون ويأكلون حتى تمتلئ بطونهم ، فلا يروون ولا يشبعون ، واللّه أعلم .
وقيل : الهيم : الإبل الذي يهيم في الأرض ولا يرد الماء أياما ، ثم إذا ورد الماء فيشرب ، فتمتلئ بطنه حتى يهلك ؛ لامتلاء البطن ؛ وهو قول الأصم .
وقوله - عزّ وجل - :
هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
، أي : الذي ذكر غذاؤهم ورزقهم يوم الدين .
قوله تعالى :
[ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 57 إلى 74 ]
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ( 57 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 )
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 )
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 )
أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 )
وقوله - عزّ وجل - :
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ
هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : يقول - واللّه أعلم - : لما صدقتموني ورسلي بأنا خلقناكم في الابتداء ، فهلا صدقتمونا ورسلنا بأنا نعيدكم تارة أخرى ؛ إذ الأعجوبة في ابتداء الأشياء أكثر منها في الإعادة ، وهو ما قال :
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
[ الروم : 37 ] .
والثاني : إنكم صدقتموه ورسله : أنه أنشأكم في بطون أمهاتكم في الظلمات الثلاث ، ونقلكم من حال إلى حال ، لا يحتمل أن يترككم سدى بلا عاقبة ؛ فيكون فيه إثبات البعث ؛ إذ لولا ذلك لكان خلقهم وتحويلهم من حال إلى حال عبثا ؛ كما قال تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
[ المؤمنون : 115 ] ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ . أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون ، ولا خلقوا أنفسهم ، فيقول - واللّه أعلم - : قد أقررتم أنكم لم تخلقوا
هامش
( 1 ) قاله الضحاك ، أخرجه ابن جرير ( 33483 ) وعبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 229 ) وعن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة مثله .