ما أمنيتم ، ولا أنفسكم ، ولا تملكون ذلك ، فقد عرفتم أن اللّه هو خالقكم وخالق ذلك كله ، وهو المالك لذلك ؛ فإذا عرفتم ذلك ، وأنتم أهل تمييز ، وأكمل عقلا من غيركم ، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم ، فالذين هم دونكم أحق ألا يملكوا خلق أنفسكم وخلق ما ذكر ثبت أن اللّه تعالى هو خالق ذلك كله ؛ فكيف عبدتم غيره ، وصرفتم الألوهية إلى غيره .
وقوله - عزّ وجل - :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
يحتمل وجوها :
أحدها : أنه لما كان هو الذي خلقكم وما ذكر ، ثم قدر بينكم الموت ، وفيكم الولي له والعدو ، وقد سوى في الدنيا بين الولي والعدو ، وفي الحكمة التفريق بينهما ؛ دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما .
والثاني :
قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
، أي : المعجل والمؤجل ؛ أي : لم يجعل موت جميعكم في وقت واحد ، بل جعل أجلا مؤجلا في الأصل ، وقدر أن تكون مدة أجل هذا أكثر من مدة أجل الآخر .
وقيل « 1 » :
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ
أي : سوينا بينكم في الموت بين عزيزكم وذليلكم ، ورفيعكم ووضيعكم ، لا يسلم أحد عنه .
ويحتمل وجها آخر هو - أولى - : وهو أنه قدر بينكم الموت ، وكل واحد منكم يكره الموت ، ثم لم تملكوا دفع الموت عن أنفسكم ؛ دل أن هاهنا قاهرا قادرا يجب القول بوجوده ، والانقياد لأوامره ونواهيه .
وقوله :
وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ
أي : وما نحن بمغلوبين في تبديل أمثالكم .
أو يقول : وما نحن بعاجزين على أن نبدل أمثالكم .
وقوله :
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
قال أبو بكر الأصم : فيما لا تعلمون من تبديلكم إلى صورة ذميمة قبيحة ؛ كصورة القردة والخنازير ، ونحوها .
وقيل « 2 » :
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
في أي خلق شاء ؛ وهو أقرب من الأول .
وجائز أن يكون معناه
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
في ظلمات ثلاث الذي لا يبلغه علم البشر ، ولا تدبير الحكماء إلى أن بلغوا ما بلغوا ، فمن ملك ذلك لا يحتمل أن يعجز عن بعث أو غيره ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) قاله الضحاك بنحوه ، أخرجه أبو الشيخ في العظمة عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 229 ) .
( 2 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 33487 ) وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 229 ) .