أحدها : لتكسره ويبسه .
أو لأنه كان ذا جوف كالفخار ، أو لطول المكث ، وكثرة التربية ؛ إذ طين الفخار له هذه الصفات ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ . . .
الآية ، ذكر أنه أبو الجن ، وأنه لفظ الوحدان ، والجن جماعة ، وكذا قال أبو عوسجة : الجان : الجن .
وقوله :
مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ
قال بعضهم « 1 » : المارج : هو لهب النار صافيا لا دخان فيه ؛ يقال : مرجت النار ؛ إذا التهبت ، فالمارج على هذا هو النار التي فارقت الحطب والتهبت ، وارتفعت منه ؛ وكذا قال أبو عوسجة : المارج - هاهنا - : اللهب ، من قولك :
مرج الشيء ؛ إذا اضطرب ، ولم يستقر ، وعلى ما قال بعضهم في قوله :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
إذا خلط وجمع بينهما يجيء أن يكون خلق الجان من نار غير منقطعة من الحطب ، ولا خالية من الدخان ؛ وكذا قال أبو عبيد :
مِنْ مارِجٍ
، أي : من خلط من النار .
وعلى تأويل من قال في قوله :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
أي : أرسل أحدهما في الآخر ، فهو يكون من نار منقطعة من الحطب .
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ، إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع من الحكمة فيما ذكر من خلق آدم - عليه السلام - من تراب ، وخلق الجان من نار .
والفائدة في ذلك - واللّه أعلم - يخبر عن قدرته : أن من قدر على خلق الإنسان من ذلك التراب وإخراج جميع ما في الدنيا من الناس من نفس واحدة ، لا يحتمل أن يعجزه شيء ، وكذلك ما ذكر من خلق ألوان من النار ، وإخراج ما أخرج منه من النسل حتى أخذ الدنيا بأسرها لا يعجزه شيء ، ولا ما لو اجتمع حكماء البشر والجن ، أدركوا المعنى الذي به أنشأ الإنسان منه ، وخرج هذا الخلق منه ، وفي ذلك وجهان من الحكمة :
أحدهما : ما ذكرنا من القدرة على البعث :
والثاني : أن كل ما ذكر من النقل والتغير من حال إلى حال ، وإخراج ما أخرج منه ، لا يحتمل أن يفعل ذلك عبثا باطلا ، ولو لم يكن بعث ، لكان إنشاء هذا الخلق عبثا باطلا ، ولا قوة إلا بالله .
وقوله - عزّ وجل - :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
، يقول ، - واللّه أعلم - : إذا لم تنكروا شيئا من الآية أنه ليس منه فما لكم تنكرون قدرته في البعث وغيره ؟ !
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 32946 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 193 ) .