تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
شكر ما أنعم عليهم . ثم معرفة الشاكر منهم والكافر لا يعرف إلا بمعرف يعرفهم ؛ لأن مقدار الشكر وكيفيته لا يعرف بمجرد العقل ؛ فيضطرهم إلى رسول يخبرهم عن اللّه تعالى ذلك ؛ فيكون فيه إثبات الرسالة . ثم في إخراج هذه الحبوب والفواكه كلها في وقت واحد من المشرق والمغرب على سنن واحد في زمان واحد من غير تفاوت - دليل أن علمه وتدبيره أزليان ذاتيان ؛ إذ لم يمنعه شيء عن شيء . ثم اتساق ذلك واتصال ما ذكر من منابع الأرض بمنافع السماء من غير مدخل من أحد - دليل على وحدانيته ؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد ما جرى ذلك على سنن واحد ؛ على ما هو التدافع والتمانع في الأمر القائم بين اثنين عند الاختلاف ، واللّه الموفق . قوله تعالى :

[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 14 إلى 25 ]

خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) وقوله - عزّ وجل - :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ
ذكر في خلق الإنسان أحوالا مختلفة : مرة قال :
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
[ آل عمران : 59 ] ، والتراب : هو الذي لم يصبه الماء ، ومرة قال : خلقه من طين والطين : هو الذي أصابه الماء ، واعتجن ، ومرة قال :
مِنْ طِينٍ لازِبٍ
[ الصافات : 11 ] واللازب : هو الذي يلتصق باليد ويلزقه ، وهو الحر الخالص ، وقال مرة :
مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
[ الحجر : 26 ] ، وهو الذي اسود وتغير ؛ لطول المكث ، ومرة قال :
مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ
، والصلصال : هو الذي له صوت إذا حرك ، وهو من صلصلة الحديد . ويحتمل صلصال : أي : منتن ، يقال : صلّ البئر ؛ إذا أنتن ، والفخار : هو الذي تكسر إذا يبس . وقال أبو عوسجة : الفخار : الذي طبخ . فجائز أن تكون هذه الأحوال التي ذكرت على اختلافها في ذلك الإنسان ، كان في الابتداء ترابا ، ثم صار لازبا ؛ لأنه كان من جيد الطين وحره ، ثم صار مسنونا منتنا : أسود ؛ لطول المكث ، وصلصالا لكثرة تربيته ولجودته ، يكون له صوت . وتشبيهه بالفخار يحتمل وجوها :