يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[ الرحمن : 33 ] .
وقيل : ليس أن يخاطبهما جملة ، لكن يخاطب كل إنسي وجني في نفسه ؛ كقوله تعالى :
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
[ البقرة : 135 ] ، ليس أن قال الفريقان جميعا : كونوا هودا تهتدوا ، ولكن قال اليهود : كونوا هودا تهتدوا ، وقال النصارى : كونوا نصارى تهتدوا ؛ فعلى ذلك هذا .
ثم قوله - عزّ وجل - :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
، عن جابر بن عبد اللّه قال : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه ، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها ، فسكتوا فقال : « لقد قرأتها على الجن ليلة الجن ، فكانوا أحسن مردودا منكم ، كلما قرأت عليهم
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
قالوا : لا شيء من آلاء ربنا نكذب ؛ فلك الحمد » « 1 » .
ثم فيما ذكر من قوله :
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ . فِيها فاكِهَةٌ . . .
إلى آخره ، يذكر نعمه ، وقدرته ، وتدبيره ، وعلمه ، ووحدانيته .
أما نعمه : فإنه بسط الأرض لهم بما فيها من أنواع الحبوب والفواكه التي بها قوامهم ، والعصف وأنواع النبات التي بها قوام دوابهم .
وأما بيان قدرته وسلطانه : [ فإنه ] أنشأ هذه الفواكه والحبوب في أكمامها ما يعجز الخلق عن إحداث شيء وفعله في الغلف ؛ ليعلم أن صنعه وفعله خارج عن المعالجات والممارسات التي لا تتحقق مع الأغطية ، وأن قدرته وفعله غير مقيسين بأفعال الخلق وقدرتهم ، كذلك الأولاد في البطون ، والفراخ في البيض ، وأمثالها في الظلمات ؛ ليعلم أنه لا يخفى عليه شيء ، ثم أنشأ هذه الثمار والحبوب في الوقت الذي لا تحتمل البرد والحر في الأكمام من وراء الحجب ، وأمسكها فيها في حال ضعفها ، فإذا اشتدت وقويت أخرجها من الغلف ، وفي ذلك لطف منه ونعمة عظيمة على خلقه .
وفيه إثبات البعث من وجهين :
أحدهما : أن من قدر على إنشاء هذه الأشياء ، لقادر على إعادة الخلق .
والثاني : أنه لما أنشأ لهم ما ذكر ، ثم منهم من شكر هذه النعم ، ومنهم من كفر ، ثم استويا في هذه الدنيا ، وفي الحكمة التفريق بينهما - فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما .
وفيه لزوم الامتحان ؛ إذ لا يحتمل أن ينشئ لهم هذه النعم ، ثم يتركهم سدى لا يستأدي
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( 3291 ) وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، كما في الدر المنثور ( 6 / 189 ) .