والثاني :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي : إنما أنشأ أهل السماوات والأرض ؛ ليمتحنهم بالأمر والنهي ، ثم ليجزي الذين أساءوا جزاء الإساءة والذين أحسنوا جزاء الإحسان ، ولو كان على ما قال أولئك الكفرة : أن لا بعث ولا جزاء ، لكان خلقهم وخلق ما ذكر عبثا باطلا ، وفي الحكمة التفريق بين المسئ والمحسن ، وفي الدنيا تحققت التسوية بينهما ، فدل ذلك على دار أخرى يفرق بينهما فيها .
ثم يحتمل جزاء إساءة أولئك في الدنيا والآخرة : في الدنيا : القهر ، والدّبرة ، والهزيمة ، وفي الآخرة : النار ، وجزاء المحسن في الدنيا : النصر والظفر ، وفي الآخرة :
الجنة .
ثم نعت الذين أحسنوا الحسنى - وهو التوحيد - فقال :
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ .
ثم يحتمل أن تكون الكبائر ما يعرفها كل أحد : أنها كبيرة ، والفاحشة : ما يعرفها كل أحد أنها فاحشة ، واللمم - على هذا - يجيء أن تكون [ من ] تلك الكبائر [ و ] الفواحش ؛ لأنه استثناها ؛ فيجب أن تكون من جنسها ، لكنه استثناها وعفا عنها ؛ لما يقعون فيها عن غفلة وسهو ، أو عن غلبة شهوة ، ونحوها ، وهو الأشبه بتأويل الآية .
وقال أهل التأويل : الكبائر والفواحش هي التي ذكر فيها الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، واللمم التي لم يذكر لها حد في الدنيا ، ولا عقوبة في الآخرة .
وعن ابن مسعود « 1 » - رضي اللّه عنه - أنه قال : « زنا العين : النظر ، وزنا الشفتين :
التقبيل ، وزنا اليدين : البطش ، وزنا الرجلين المشي ، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج ، فإن تقدم فهو زنا ، وإلا فهو لمم » ، وفي رواية : « إن تقدم كان زنا ، وإن تأخر كان لمما » .
وعن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لا محالة ؛ فزنا العينين :
النظر ، وزنا اللسان : النطق ، والنفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه » « 2 » .
وعن أبي هريرة أنه النظرة ، والغمزة ، والقبلة ، والمباشرة « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 32562 ) وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان ، كما في الدر المنثور ( 6 / 165 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 11 / 26 ) كتاب الاستئذان : باب زنا الجوارح دون الفرج ( 6343 ) ، ومسلم ( 4 / 2046 ) كتاب القدر : باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره ( 20 / 2657 ) .
( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 32566 ) ومسدد وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 6 / 165 ) .