والثاني : أن ظنهم الذي ظنوا في الدنيا لا يدفع عنهم ما لزمهم من العذاب في الآخرة .
وقوله - عزّ وجل - :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا .
هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : على ترك مكافأتهم ؛ أي : لا تكافئهم لصنيعهم وأذاهم .
والثاني : يخرج على الإياس له من إيمانهم ؛ أي : لا تشتغل بهم ؛ فإنهم لا يؤمنون أبدا ؛ فهو في قوم خاص علم اللّه - عزّ وجل - أنهم لا يؤمنون .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا .
يحتمل أنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ، فلم يريدوا بحسناتهم التي عملوا إلا الحياة الدنيا ؛ لأنهم كانوا يتصدقون ويصلون الأرحام ، لكن لم يريدوا بذلك إلا ما ذكر في الحياة الدنيا .
وجائز أن تكون الإرادة هاهنا كناية عن العمل .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا .
أي : لم يعمل للآخرة رأسا ؛ يخبر عنهم أنهم يعملون للدنيا ، لا للآخرة ، وهو كقوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
[ الإسراء : 18 ] ، وقوله - عزّ وجل - :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ . . .
الآية [ الإسراء : 19 ] ، ونحو ذلك .
وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
بألا يؤمنوا بالآخرة ، ولا يعملوا لها .
وقال بعضهم :
ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
أي : ذلك مبلغ رأيهم من العلم : أن الملائكة بنات اللّه ، وأنها تشفع لهم .
وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى .
مثل هذا الكلام إنما يخرج على أثر خصومات كانت من أولئك الكفرة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، كأن أولئك الكفرة قالوا : نحن على الهدى ، وأنتم على الضلال ، فقال عند ذلك :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا
، ثم قال :
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى
، أي : هو أعلم بمن ضل عن سبيله ؛ فيجزيه جزاء ضلاله في الآخرة ،
وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى
فيجزيه جزاء الهدى ، واللّه أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
، هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : يقول :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
، وهو غني عن عبادتكم ، وإنما يأمركم وينهاكم ؛ ليجزيكم بأعمالكم ، لا لمنافع ترجع إليه .