تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
وكذلك ذكر عن الأصم قال : ذكر الذنوب ، وهو الدلو العظيم الذي كانوا يقتسمون به المياه ، وكان من عادة العرب : أنهم يجمعون فيرسلون دلاءهم في البئر ، فكان كل واحد منهم يأخذ حظه ونصيبه من الماء ، فيقول لأهل مكة : لا تستعجلوا ، ؛ فإن لكم نصيبا من ذلك العذاب كما كان لأولئك ؛ كالدلاء التي تكون في البئر ، فيأخذ كل واحد منهم نصيبه . وكذلك قال القتبي وأبو عوسجة - : الذنوب - الحظ والنصيب . وعن ابن عباس - رضي اللّه عنه - : سمي ذلك العذاب : ذنوبا ؛ لما يتبع بعضهم بعضا ، واللّه أعلم . فيقول : يتبع العذاب لهؤلاء كما يتبع لأولئك ؛ كالدلاء يتبع بعضها بعضا ، واللّه أعلم . وقوله :
فَلا يَسْتَعْجِلُونِ
أي : قد يبلغون وقته فلا يستعجلون العذاب ، وهو الوقت الذي يسألون الرجوع كما أخبر - عزّ وجل - :
رَبِّ ارْجِعُونِ
[ المؤمنون : 99 ] . وقوله :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
يوم القيامة ، ولكن لم يبين ذلك اليوم ما هو ؟ فيحتمل ما قالوا ، ويحتمل غيره ، والويل قد ذكرنا تأويله فيما تقدم . فإن قيل : كيف خوف اللّه تعالى هذه الأمة بما أنزل على الأمم الخالية من الاستئصال والإهلاك ، وقد عافى هذه الأمة عن هذا وأمنهم منه ؟ قيل : إنما خوفهم بما ذكر ؛ لأن المعنى الذي استوجب أولئك الاستئصال والإهلاك به يحتمل أن يتحقق ذلك في هؤلاء . وقد يحتمل ألا يكون ، فالتخويف صحيح لهؤلاء بهم ، وإنما يكون مثل هذا التخويف في أول الأمر ، ثم إن اللّه بفضله ورحمته عفا عنهم بفضل النبي صلى اللّه عليه وسلم ورحمته ؛ كقوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] . ويحتمل أن يكون العفو لهم عن ذلك بالتأخير عنهم إلى وقت ، وهو وقت قبض أرواحهم وخروجهم من الدنيا ، وفي ذلك الوقت يعاقبون بأنواع العذاب ، وينزل بهم ما نزل بأولئك ، لا أنهم عفوا عن ذلك أصلا . ويحتمل أن يكون ينزل بهم ذلك في الآخرة ، وذلك كله فضل منه ورحمة ، واللّه أعلم بالصواب . * * *
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 398 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم