تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
العبادة لغيره ، وأجاز الطاعة والخدمة ، والتعظيم ، وغير ذلك من الأفعال ؛ كقوله :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] دل أن في العبادة معنى ليس ذلك المعنى في غيره ؛ لذلك وقعت الخصوصية له ؛ ولذلك خص نفسه بتسمية : الإله ، لم يجز التسمية به لغيره ؛ إذ الإله عندهم : معبود ، فكل معبود عندهم يسمونه : إلها ، وذلك كما خص نفسه بتسمية : الرحمن ، لم يجعل ذلك لغيره ، وجاز تسمية غيره : رحيما ؛ لما أن في اسم الرحمن زيادة معنى ليس في الرحيم ، وكذا خص نفسه بتسميته : خالقا ، ولم يجز هذا الاسم لغيره ؛ لما أن في الخالق معنى ، ليس ذلك المعنى في الفاعل وغيره ، فكذلك هذا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ .
قال عامة أهل التأويل « 1 » : ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم ، ولا أن يطعموا أحدا من خلقي ، إنما عليّ رزقهم وإطعامهم ؛ كقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
[ هود : 6 ] . ويحتمل : ما أريد منهم أن يرزقوا من لا يقوم بأسباب الرزق وأن يطعموهم ؛ إذ ذلك عليّ ، وإنما أريد منهم العبادة . أو الأمر بالعبادة على الوجه الذي ذكرنا ؛ لأنهم لم ينشئوا لأولئك الذين لم يجعل لهم المكاسب وأسباب الرزق من الدواب ؛ بل هن أنشئن لأجلهم رزقا ومتعة ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون على الإضمار ؛ على ما قال بعضهم ، أي : قل يا محمد : ما أريد منكم فيما أدعوكم إليه من أجر ، وما أريد أن تطعمون ؛ فيثقل عليكم الإيمان . ويحتمل :
ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
؛ أخبار أنه لم يخلقهم لحاجة له في خلقهم من الرزق والإطعام منهم ؛ لما أقام من دلالات تبرئه عن الحوائج ، وعن الرزق والطعام ، وإنما خلقهم للأمر ، والنهي ، والامتحان - رجعت منافع ذلك إليهم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
، هذا يخرج على وجهين : أحدهما : أن الأسباب والمكاسب التي بها يرزقون ، ويصلون إلى الانتفاع بها ، هي فعل اللّه تعالى وله فيها صنع ، صار بذلك رازقا ، لولا ذلك لم يصلوا إلى ذلك ، وإن كان الخلق هم الذين يكسبون ويعملون تلك الأسباب والمكاسب ، فلما أضيف إليه الرزق ؛ لما أنشأ فعل تلك الأسباب والمكاسب منهم ، واللّه أعلم ؛ فيكون في هذا دليل على أن
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 32269 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 396 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم