فما ربحت تجارتهم ؛ بل خسرت ؛ فعلى ذلك جائز قوله :
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
بل بمحمود ، واللّه أعلم .
وقال أبو بكر الأصم :
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
؛ لأنه قد بلغ الرسالة ، وما أمر بتبليغه إلى الخلق ، وقام بأمره ونصح خلقه ، وخفض جناحه لهم ، فكيف يلام ؟ ! أي : ما أنت بالذي تلام على صنيعك وعلى فعلك ، وإن كان بعض الناس يلومك ، وهم الكفار .
وفيه دلالة الحفظ والعصمة له عن الزيغ والزلات ؛ إذ لو كان بالذي يحتمل الزيغ والزلة ، لكان يحتمل الملامة ؛ فدل أنه لا يحتمل الزيغ والعدول عن الحق .
وقوله - عزّ وجل - :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ .
جائز أن يكون الأمر بالتذكير للكل ، ثم أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ، لا الكل .
وجائز : فذكر المؤمنين ؛ فإن منفعة الذكرى لهم ، ولمن أنصف ، دون المكابرين المعاندين ، واللّه أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 56 إلى 60 ]
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 )
وقوله - عزّ وجل - :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ .
إن كان المراد من ذكر العبادة : حقيقة العبادة فيخرج تأويله على وجهين :
أحدهما : جوابا لمن لا يرى الجن والإنس يؤمرون بالعبادة ويمتحنون بها ، فقال :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
، أي : خلقهم على معرفة المحاسن والمساوئ ، والتمييز بين ما يؤتى وما يتقى بما ركب فيهم من أسباب التمييز والمعرفة ، لا يتركهم سدى مهملين ؛ بل لامتحانهم بالعبادة ، والقيام بشكر ما أنعمت عليهم من أنواع النعم ؛ إذ الحكمة توجب ذلك ، وتدفع تركهم سدى هملا ، واللّه أعلم .
والثاني : خرج جوابا لمن يرى العبادة دونه جائزا ؛ لقولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] فقال :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
، لم أخلقهم لعبادة غيري ، أو لآمرهم بعبادتي ، لا لآمرهم بعبادة غيري ؛ كما قاله بعض الكفرة بقولهم :
وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها
[ الأعراف : 28 ] ؛ ردّا ونقضا لاعتقادهم ، واللّه أعلم .
ثم قوله - عزّ وجل - :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
على حقيقة العبادة ؛ لوجهين :
أحدهما : على حقيقة فعل العبادة ، وعلى هذا الوجه لم تكن الآية معمولا بها على العموم ، بل على الخصوص ، وهم المؤمنون من الجن والإنس دون الكفرة منهم ؛ فإنه لا