وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين ، والنار مثوى الكافرين ؛ فلا يبدل ذلك الوعد والوعيد .
والثاني :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
يحتمل أنه أراد به قوله :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ السجدة : 13 ] .
والثالث : أي : لا يبدل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها ، وهو الإيمان عن غيب ، كما أخبر - عزّ وجل - :
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ . . .
الآية ، فأما الإيمان بعد العيان لا ينفع ، كما أخبر - عزّ وجل - :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا . . .
الآية [ غافر : 85 ] .
وقوله - عزّ وجل - :
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
أي : في العقل والحكمة تعذيب من أتى بالكفر والشرك ، فيكون ترك تعذيبه سفها .
وقوله - عزّ وجل - :
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ .
هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : على تحقيق القول من الله - تعالى - لجهنم :
هَلِ امْتَلَأْتِ
، وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
، وذلك جائز أن ينطق الله - تعالى - جهنم حتى تجيب له بما ذكر
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم ، والنطق منها للكل ، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا :
لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[ فصلت : 21 ] وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله - تعالى - :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
[ سبأ : 10 ] ونحو ذلك ، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تقدير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم ، واللّه أعلم .
والثاني : على التمثيل ، لا على تحقيق القول لها :
هَلِ امْتَلَأْتِ
وعلى تحقيق الإجابة منها
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
ولكن على التمثيل ؛ لوجهين :
أحدهما : أي : إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت لها :
هَلِ امْتَلَأْتِ
، فتقول :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
؟ يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة والإجابة ، وهو ما ذكرنا في قوله - عزّ وجل - :
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
[ الأنعام : 70 ] لا يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا ، ولكن معناه : إنها بحال من التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم ، واللّه أعلم .
والثاني : وصف لها بالعظم والسعة ، وإخبار عن أنها تحتمل المزيد ، وإن جمع من الكفرة ما لا يحصى ، على التمثيل ، وهو كقوله - تعالى - :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ