الحرورية وأهل النهروان ؛ ذكر أن عليّا - رضي اللّه عنه - لما قتلهم فقال الناس : هم مشركون ، فقال - عليه السلام - : من الشرك فروا ، فقالوا : فمنافقون هم ؟ قال علي - رضي اللّه عنه - : إن المنافقين لا يذكرون اللّه إلا قليلا ، قالوا : فما هم ؟ قال : هم ناس بغوا علينا فقاتلونا فقاتلناهم « 1 » .
ويحتمل أنه كان فيما كان بين علي - رضي اللّه عنه - ومعاوية يوم الجمل ويوم صفين ؛ ذكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليّا - رضي اللّه عنه - سمع رجلا يقول يوم الجمل : هم كفروا ، فقال : لا تقل ذلك ، ولكن هؤلاء قوم بغوا علينا ، وزعموا أنا بغينا عليهم ، فقاتلناهم على ذلك .
لكن في الآية الأمر بالصلح إذا كان بينهم - أعني : المؤمنين - اقتتال بأي شيء كان بقوله - تعالى - :
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما
وكذلك أمر في غير آي بالصلح والإصلاح ، قال :
يقال : وأصلحوا ذات بينكم « 2 » ، أي : بين المؤمنين .
وهذه الآية حجة على المعتزلة والخوارج ، فإنه أبقى اسم الإيمان بعد ما كان منهم الاقتتال والبغي ، والقتال والبغي مع أهل الإسلام من الكبائر دل أن الكبيرة لا تخرج عن الإيمان ، ولا توجب الكفر ، واللّه الموفق .
وقوله - عزّ وجل - :
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
أي : فإن ظلمت إحدى الطائفتين وطلبت غير الحق
فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
أي : تظلم وتجور
حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
حتى ترجع إلى أمر اللّه ، وإلى الحق ، أمر بمعونة الطائفة التي لم تبغ والانتصار لها من الباغية ، وهو ما ذكر في آية أخرى :
وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
[ الحج : 60 ] وعد - عزّ وجل - النصر لهم ، فيحتمل أن يكون ذلك النصر الموعود في الدنيا ، ويحتمل في الآخرة .
وفي الآية الأمر بقتال أهل البغي من غير قيد بين السيف وغيره بقوله :
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
لكن متى أمكن دفع البغي وكسر منعتهم بغير السلاح فهو الحق ، وهو الواجب ، لكن إذا لم ينقلعوا عن البغي إلا بالقتال مع السيف فلا بأس به ، فإن عليّا - رضي اللّه عنه - قاتل الفئة الباغية بالسيف ومعه كبراء الصحابة - رضي اللّه عنهم - وأهل بدر ، وكان هو محقّا في قتاله إياهم دل أنه لا بأس بقتالهم بالسيف .
وبعضهم قالوا : إن قتال البغاة لا يجوز بالسيف ، وقالوا : إن سبب نزول الآية في القتال بالعصي والنعال ، ولكن لا حجة لهم فيها ؛ لأن القتال بين الفئتين وإن كان بالنعال والعصي
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 37942 ) .
( 2 ) ذاد في أ : كان .