تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
والصدق لذلك ، والتحقيق لما عهدوا من الوفاء لذلك - أخبر اللّه أن قد رضي اللّه عنهم لذلك ، فنحن نستدل به على صدق ذلك وتحقيقه وإن لم يخبرنا اللّه تعالى أنهم قد عزموا على ذلك ، فيجوز لنا أن نشهد أنهم قد عزموا على الوفاء لذلك والصدق له ، وقد يكون من الاستدلال ما تكون الشهادة له بالحق والصدق إذا كان في الدلالة مثل ما ذكرنا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ
هذا يحتمل وجوها : أحدها : ما ذكرنا : علم ما في قلوبهم من العزم على الوفاء والصدق ؛ لما أعطوا بأيديهم من أنفسهم . والثاني : علم ما في قلوبهم من الخوف والخشية ، وذلك يتوجه وجهين : أحدهما : أنهم خشوا ألا يتهيأ لهم القيام بأهل مكة ؛ لأنهم كانوا مستعدين للحرب والقتال ، وهم كانوا خرجوا لقضاء المناسك وزيارة البيت ، خشوا ألا يقوموا لهم ؛ فلم يفوا ما عاهدوا . والثاني : خشوا ألا يقدروا على وفاء ما بايعوا وأعطوه ؛ لأن في ذلك مناصبة جميع أهل الأديان والمذاهب ، واللّه أعلم . والثالث : علم ما في قلوبهم من الكراهة التي يذكرها أهل التأويل ، لكن تلك الكراهة كراهة الطبع ، لا كراهة الاختيار ؛ لأنهم طمعوا الوصول إلى البيت ، ورجوا دخولها ، فلما جرى الصلح بينهم على ألا يدخلوا عامهم ذلك ، فانصرفوا ، فاشتد ذلك عليهم ، فكرهوا ذلك ، لكن كراهة الطبع ، لا كراهة الاختيار ، وقد يكره طبع الإنسان شيئا والخيار غيره ؛ كقوله - عزّ وجل - :
وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
[ النساء : 19 ] ، وكقول يوسف :
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
[ يوسف : 33 ] محبة الاختيار ، لا محبة الطبع ، بل الطبع إلى ما يدعونه أميل من السجن . وقوله - عزّ وجل - :
فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً
أي : أنزل عليهم ما يسكن به قلوبهم ؛ لما علم تحقيق الوفاء لما بايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصدق ما أعطوا من أنفسهم ، وأثابهم مكان ما كانوا يرجون ويطمعون من دخول مكة ، وما كرهت أنفسهم من الرجوع - فتحا قريبا ، وهو فتح مكة ، أو فتح خيبر ، واللّه أعلم . ثم قوله :
وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها
اختلف فيه :