تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
السلام - من بين أظهرهم أهلكهم ، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب ؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أولئك الكفرة ، لكن اللّه بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم ؛ لأنه بعثك إليهم رحمة ؛ كقوله - تعالى - :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] ، أو أخر ذلك عنهم ؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ليبقي شريعته إلى يوم القيامة ، ولو أهلكهم واستأصلهم ؛ على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته ، وقد وعد أنها تبقى ، وأنه رحمة لهم ، وأنه لا يخلف الميعاد . ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشدّ قوة وبطشا من هؤلاء ، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم ، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب اللّه ، ولا مانع يمنعهم عنه ، فأنتم يأهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
أَخْرَجَتْكَ
أضاف الإخراج إلى قومه ، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم ؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه ، لكنه أضاف الإخراج إليهم ؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم ، فكأنهم قد أخرجوه ، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله :
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ
[ البقرة : 36 ] ، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة ، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج ، فكأنه وجد الإخراج منه ، وأصله : أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها ، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَلا ناصِرَ لَهُمْ
هو خبر من اللّه - تعالى - أي : لا يكون لهم ناصر ، وهو يحتمل وجهين : أحدهما : لا يكون ناصر في الآخرة . والثاني : على إضمار ؛ أي : لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
لم يخرج لهذا الحرف جواب ؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ، واتبع هواه ، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول : ليس المحسن كالمسيء ، وليس من يحسن كمن يسيء ، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب ، فعلى ذلك هذا . ثم في ذلك وجهان : أحدهما : يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع