تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
موقن بها ومتحقق ، ولكن في العمل لها والاستعداد لها كالظان . والثاني : ظان بها ، شاك فيها جاحد لها ومكذب كالموقن ألا تكون . ثم الإيقان بالشيء هو العلم بالأسباب الظاهرة ، وقد يدخل في تلك الأسباب أدنى شبهة وشك ؛ لذلك ذكر فيه الظن ، واللّه أعلم . وأما العلم بالشيء قد يكون بالسبب ، وقد يكون بالتجلي له بلا سبب ؛ ولذلك وصف اللّه - تعالى - بالعلم ، ولم يوصف بالإيقان ، ولا يقال : إنه موقن ؛ لما ذكرنا : أن أحدهما يكون بأسباب والآخر لا - واللّه أعلم - فيتمكن في الإيقان أدنى شبهة وشك ، وقد يعمل غالبا لأسباب على حقيقة الأعمال ؛ نحو المكره على الشرّ يعلم بما أوعد به بغالب أسبابه ليس على الحقيقة ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا
هذا يخرج على وجهين : أحدهما : بدا لهم أنّ الأعمال في الدنيا أنها أسباب في الآخرة ؛ لأنهم عملوها في الدنيا وعندهم أنها حسنات ، فيظهر لهم في الآخرة أنها سيئات . والثاني :
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا
أي : ظهر لهم في الآخرة وتذكروا سيئات ما عملوا في الدنيا والآخرة ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
أي : نزل بهم ، ووجب ما كانوا يستعجلون من الرسل ، وهو العذاب الذي كانوا يوعدونهم ؛ لأنهم كانوا يستعجلون ذلك استهزاء منهم بهم بأنه غير كائن ، ولا نازل بهم ما كانوا يوعدونهم ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
، والإشكال : أنهم كيف ينسون يومئذ ؟ لأنهم لو كانوا ينسون ، لسلموا من العذاب ، لكن ما ذكر من النسيان يخرج على وجهين : أحدهما : كنى بالنسيان عن الترك ؛ يقول : اليوم نترككم في النار وفي العذاب كما تركتم أنتم العمل لذلك اليوم والنظر فيه . والثاني : على التمثيل ؛ أي : اليوم نصيركم في النار كالشئ المنسي لا يكترث إليكم ، ولا يلتفت ، ولا يعبأ بكم كما صيرتم أنتم ذلك اليوم كالشئ المنسي ، لم تكترثوا إليه ، ولم تعملوا له ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ
جعل اللّه - تعالى - النار لهم مأوى بإزاء كل ما افتخروا في الدنيا على رسل اللّه - عليهم السلام - وأتباعهم من المنازل ، والمراكب ، والملابس ، وغير ذلك ، وأخبر أنه لا ناصر لهم يملك إخراجهم