تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وتتركون اتباعه وتتبعون رجلا لم يأتكم بالبينات ، هذا منه احتجاج عليهم : أن كيف تقتلون رجلا وتتركون اتباعه بعد ما جاءكم بالبينات من ربكم ، وتتبعون من لا بينة معه ولا برهان ؟ ! يسفههم في صنيعهم الذي أرادوا أن يصنعوا به ، واللّه أعلم ، ووعظهم أيضا وعظا لطيفا فيه رفق حيث قال :
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا
يقول - واللّه أعلم - : إنكم إن قتلتم ذلك الرجل بعد ما جاءكم بالبينات وتركتم اتباعه ، فجاءكم عذاب اللّه وبأسه ، فمن ينصركم عن ذلك العذاب ويمنعكم عنه إذا قتلتم نبيه بغير حق ؟ ! ثم وعظهم وعظا بما نزل بمكذبي من كان قبلهم من الرسل حيث قال :
مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ
يقول : إني أخاف عليكم أن ينزل بكم ويقع عليكم من عذاب اللّه بتكذيبكم الرسول موسى - عليه السلام - وترككم اتباعه بعد ما جاءكم بالبينات أنه رسول وأنه صادق فيما يقول ويدعي ، كما نزل ووقع من العذاب بالأحزاب الذين كانوا من قبلكم ممن ذكر بتكذيبهم الرسل واستقبالهم إياهم بما استقبلوا بعد ظهور صدقهم عندهم بما تستقبلون أنتم رسولكم موسى ، بعد ما ظهر صدقه عندكم بالبينات التي جاءكم ، واللّه أعلم . ثم ما ذكر من الأحزاب فيحتمل أن يكون تفسيره ما ذكر على أثره من قوم نوح وعاد وثمود ، ويحتمل سواهم من الأمم ، واللّه أعلم . ثم قوله :
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ
قال بعضهم : أي : مثل صنيع قوم نوح ومن ذكر وفعلهم . وقال بعضهم : أي : مثل عذاب قوم نوح ومن ذكر ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ .
في هذه الآية للمعتزلة نوع تعلق ؛ يقولون : إن اللّه تعالى قد أراد من العباد ما يفعلون من أفعال الظلم والجور ، وقد أخبر اللّه تعالى أنه لا يريد ظلما للعباد . ولكن الآية في التحقيق عليهم ؛ لأنه قال في آية أخرى :
يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ
[ آل عمران : 176 ] أخبر أنه أراد ألا يجعل لهم حظّا في الآخرة ، ولو لم يرد منهم ما يستوجبون به العذاب كان في تعذيبه إياهم ظالما على زعمهم ؛ دل أنه أراد منهم ما يستوجبون به العذاب وهو فعل الظلم ، واللّه أعلم . ثم تأويل الآية يخرج على وجهين : أحدهما : أن الإرادة هي صفة كل فاعل يفعل عن اختيار ، فكأنه قال : واللّه لا يظلم عباده ؛ كقوله تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] .