تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
قدره عند اللّه وجلت صولته عنده فإنه [ لا ] يخرج من العبودة ، وأنه عبد اللّه ، ليس بإله ، ولا ابن له ، على ما زعم أولئك الكفرة ، واللّه الهادي . وقوله - عزّ وجل - :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ .
هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون حرف « من » صلة زائدة ، ومعناه : فاختلف الأحزاب بينهم ، والاختلاف فيما بينهم في عيسى أمر ظاهر بين
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
أي : اختلف الأحزاب من اختراع كان منهم فيما بينهم ، أو كلام نحوه ؛ ولذلك كان الاختلاف الواقع بينهم إنما كان باختراع من ذات أنفسهم ، لا أن كان ذلك سماعا من الرسل - عليهم السلام - ولذلك نهى هذه الأمة عن الاختلاف والتفرق ؛ حيث قال :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
[ آل عمران : 105 ] وقد اختلفت هذه الأمة بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى قاتلهم أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - على ذلك ، واتبعه سائر الصحابة على ذلك ، حتى قاتل الرجال ، وسبى النساء والذراري ، وظهرت - أيضا - الخوارج في زمن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - على ذلك ، حتى اجتمعوا على الوفاق ، وغير ذلك من الاختلاف والتفرق الذي كان ظهر ووقع فيما بينهم ، وكان في ذلك دلالة الرسالة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأنه ذكر - عزّ وجل - في كتابه أنهم يختلفون بعد وفاته ، وأنهم ينقلبون على أعقابهم ؛ حيث قال :
أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ . . .
الآية [ آل عمران : 144 ] ، وقال في ارتدادهم :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] هذا في أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - وقال في علي - رضي اللّه عنه - :
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
الآية [ المائدة : 55 ] ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يقاتل هذا بالتأويل كما نقاتل نحن على التنزيل » يعني : عليّا - رضي اللّه عنه - وقد كان كل ما ذكر من الاختلاف والتفرق والتنازع في الدين من الانقلاب على الأعقاب والارتداد والامتناع عن إيتاء الزكاة ، وإتيان ما ذكر من قوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، وغلبة حزب اللّه وأهل توحيده على أولئك ؛ ففي ذلك كله دلالة إثبات الرسالة ؛ إذ خرج على ما أخبر صلى اللّه عليه وسلم وذكر في المستقبل ، واللّه أعلم . ثم إن اللّه - عزّ وجل - بفضله وبرحمته رفع ذلك الاختلاف والتفرق والتنازع بينهم ، وجمعهم على ألفة وحب ، ولم يرفع من بين أولئك فقال :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
والأحزاب : الفرق الذين تحزبوا ؛ أي : تفرقوا ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم . وقوله - عزّ وجل - :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
هي ظاهرة .